البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٨ - صفة فتح بلاد مصر مجموعا من كلام ابن إسحاق و سيف و غيرهما
إلينا كل الّذي أمر به، ثم مضى و تركنا على الواضحة، و كان مما أمرنا به الأعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام، فمن أجابنا إليه فمثلنا، و من لم يجبنا عرضنا عليه الجزية و بذلنا له المنعة، و قد أعلمنا أنا مفتتحوكم، و أوصانا بكم حفظا لرحمنا منكم، و أن لكم إن أجبتمونا بذلك ذمة إلى ذمة و مما عهد إلينا أميرنا استوصوا بالقبطيين خيرا، فان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أوصانا بالقبطيين خيرا، لأن لهم رحما و ذمة. فقالوا: قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء معروفة شريفة، كانت ابنة ملكنا و كانت من أهل منف و الملك فيهم فأديل عليهم أهل عين شمس فقتلوهم و سلبوهم ملكهم و اغتربوا فلذلك صارت إلى إبراهيم (عليه السلام) مرحبا به و أهلا. أمنا حتى نرجع إليك، فقال عمرو: إن مثلي لا يخدع و لكنى أؤجلكما ثلاثا لتنظروا و لتناظروا قومكما و إلا ناجزتكم. قالا: زدنا، فزادهم يوما، فقالا: زدنا. فزادهم يوما. فرجعا إلى المقوقس فأبى أرطبون أن يجيبهما و أمر بمناهدتهم، فقالا لأهل مصر: أما نحن فسنجتهد أن ندفع عنكم و لا نرجع إليهم. و قد بقيت أربعة أيام قاتلوا و أشار عليهم بأن يبيتوا المسلمين، فقال الملأ منهم: ما تقاتلون من قوم قتلوا كسرى و قيصر و غلبوهم على بلادهم.
فألح الأرطبون في أن يبيتوا للمسلمين ففعلوا فلم يظفروا بشيء بل قتل منهم طائفة منهم الأرطبون، و حاصر المسلمون عين شمس من مصر في اليوم الرابع. و ارتقى الزبير عليهم سور البلد، فلما أحسوا بذلك خرجوا إلى عمرو من الباب الآخر فصالحوه و اخترق الزبير البلد حتى خرج من الباب الّذي عليه عمرو فأمضوا الصلح و كتب لهم عمرو كتاب أمان: «بسم اللَّه الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى عمرو ابن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم و ملّتهم و أموالهم و كنائسهم و صلبهم و برهم و بحرهم، لا يدخل عليهم شيء من ذلك و لا ينتقص و لا يساكنهم النوبة، و على أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح و انتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف و عليهم ما حق لصونهم، فإن أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزاء بقدرهم، و ذمتنا ممن أبى بريئة. و إن نقص نهرهم من غايته رفع عنهم بقدر ذلك و من دخل في صلحهم من الروم و النوبة، فله مثل ما لهم و عليه مثل ما عليهم، و من أبى و اختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه أو يخرج من سلطاننا، عليهم ما عليهم أثلاثا، في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم. على ما في هذا الكتاب عهد اللَّه و ذمة رسوله و ذمة الخليفة أمير المؤمنين و ذمم المؤمنين، و على النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا و كذا رأسا، و كذا و كذا فرسا على أن لا يغزوا و لا يمنعوا من تجارة صادرة و لا واردة. شهد الزبير و عبد اللَّه و محمد ابناه و كتب وردان و حضر» فدخل في ذلك أهل مصر كلهم و قبلوا الصلح و اجتمعت الخيول بمصر و عمروا الفسطاط، و ظهر أبو مريم و أبو مريام فكلما عمرا في السبايا التي أصيبت بعد المعركة. فأبى عمرو أن يردها عليهما، و أمر بطردهما و إخراجهما من بين يديه، فلما بلغ ذلك أمير المؤمنين عمر بن