البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٩ - صفة فتح بلاد مصر مجموعا من كلام ابن إسحاق و سيف و غيرهما
الخطاب أمر أن كل سبى أخذ في الخمسة أيام التي أمنوهم فيها أن يرد عليهم، و كل سبى أخذ ممن لم يقاتل و كذلك من قاتل فلا يرد عليه سباياه. و قيل إنه أمره أن يخيروا من في أيديهم من السبي بين الإسلام و بين أن يرجع إلى أهله، فمن أختار الإسلام فلا يردوه إليهم، و من اختارهم ردوه عليهم و أخذوا منه الجزية، و أما ما تفرق من سبيهم في البلاد و وصل إلى الحرمين و غيرهما، فإنه لا يقدر على ردهم و لا ينبغي أن يصالحهم على ما يتعذر الوفاء به. ففعل عمرو ما أمر به أمير المؤمنين، و جمع السبايا و عرضوهم و خيروهم فمنهم من اختار الإسلام، و منهم من عاد إلى دينه، و انعقد الصلح بينهم. ثم أرسل عمرو جيشا إلى اسكندرية- و كان المقوقس صاحب الاسكندرية قبل ذلك يؤدى خراج بلده و بلد مصر إلى ملك الروم- فلما حاصره عمرو بن العاص جمع أساقفته و أكابر دولته و قال لهم: إن هؤلاء العرب غلبوا كسرى و قيصر و أزالوهم عن ملكهم و لا طاقة لنا بهم، و الرأى عندي أن نؤدي الجزية إليهم. ثم بعث إلى عمرو بن العاص يقول: إني كنت أؤدى الخراج إلى من هو أبغض إلى منكم- فارس و الروم- ثم صالحه على أداء الجزية، و بعث عمرو بالفتح و الأخماس إلى عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه.
و ذكر سيف أن عمرو بن العاص لما التقى مع المقوقس جعل كثير من المسلمين يفر من الزحف فجعل عمر يزمرهم و يحثهم على الثبات: فقال له رجل من أهل اليمن: إنا لم نخلق من حجارة و لا حديد.
فقال له عمرو: اسكت فأنما، أنت كلب. فقال له الرجل فأنت إذا أمير الكلاب. فأعرض عنه عمرو و نادى يطلب أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فلما اجتمع إليه من هناك من الصحابة قال لهم عمرو:
تقدموا فبكم ينصر اللَّه المسلمين. فنهدوا إلى القوم ففتح اللَّه عليهم و ظفروا أتم الظفر. قال سيف:
ففتحت مصر في ربيع الأول من سنة ست عشرة و قام فيها ملك الإسلام و للَّه الحمد و المنة. و قال غيره: فتحت مصر في سنة عشرين، و فتحت اسكندرية في سنة خمس و عشرين بعد محاصرة ثلاثة أشهر عنوة، و قيل صلحا على اثنى عشر ألف دينار. و قد ذكر أن المقوقس سأل من عمرو أن يهادنه أولا، فلم يقبل عمرو و قال له: قد علمتم ما فعلنا بملككم الأكبر هرقل. فقال المقوقس لأصحابه:
صدق فنحن أحق بالإذعان. ثم صالح على ما تقدم. و ذكر غيره أن عمرا و الزبير سارا إلى عين شمس فحاصراها و أن عمرا بعث إلى الفرما أبرهة بن الصباح، و بعث عوف بن مالك إلى الاسكندرية، فقال كل منهما لأهل بلده: إن نزلتم فلكم الأمان. فتربصوا ما ذا يكون من أهل عين شمس، فلما صالحوا صالح الباقون. و قد قال عوف بن مالك لأهل اسكندرية: ما أحسن بلدكم؟ فقالوا: إن إسكندر لما بناها قال: لأبنين مدينة فقيرة إلى اللَّه غنية عن الناس. فبقيت بهجتها. و قال أبرهة لأهل الفرما: ما أقبح مدينتكم؟ فقالوا إن الفرما- و هو أخو الإسكندر- لما بناها قال لأبنين مدينة