البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩ - وقعة اليرموك
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الآية. فاستحيوا رحمكم اللَّه من ربكم أن يراكم فرارا من عدوكم و أنتم في قبضته و ليس لكم ملتحد من دونه و لا عز بغيره.
و قال عمرو بن العاص: يا أيها المسلمون غضوا الأبصار، و اجثوا على الركب، و اشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الاسنة فثبوا إليهم وثبة الأسد، فو الّذي يرضى الصدق و يثيب عليه و يمقت الكذب و يجزى بالإحسان إحسانا، لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا و قصرا قصرا، فلا يهولنكم جموعهم و لا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشد تطايروا تطاير أولاد الحجل.
و قال أبو سفيان: يا معشر المسلمين أنتم العرب و قد أصبحتم في دار العجم منقطعين عن الأهل نائين عن أمير المؤمنين و أمداد المسلمين، و قد و اللَّه أصبحتم بإزاء عدو كثير عدده، شديد عليكم حنقه، و قد وترتموهم في أنفسهم و بلادهم و نسائهم، و اللَّه لا ينجيكم من هؤلاء القوم، و لا يبلغ بكم رضوان اللَّه غدا إلا بصدق اللقاء و الصبر في المواطن المكروهة، ألا و إنها سنة لازمة و ان الأرض وراءكم، بينكم و بين أمير المؤمنين و جماعة المسلمين صحارى و براري، ليس لأحد فيها معقل و لا معدل إلا الصبر و رجاء ما وعد اللَّه فهو خير معول، فامتنعوا بسيوفكم و تعاونوا و لتكن هي الحصون.
ثم ذهب إلى النساء فوصاهن ثم عاد فنادى: يا معاشر أهل الإسلام حضر ما ترون فهذا رسول اللَّه و الجنة أمامكم، و الشيطان و النار خلفكم. ثم سار إلى موقفه (رحمه اللَّه).
و قد وعظ الناس أبو هريرة أيضا فجعل يقول: سارعوا إلى الحور العين و جوار ربكم عز و جل في جنات النعيم، ما أنتم إلى ربكم في موطن بأحب إليه منكم في مثل هذا الموطن، ألا و إن للصابرين فضلهم. قال سيف بن عمر باسناده عن شيوخه: إنهم قالوا كان في ذلك الجمع ألف رجل من الصحابة منهم مائة من أهل بدر. و جعل أبو سفيان يقف على كل كردوس و يقول: اللَّه اللَّه إنكم دارة العرب و أنصار الإسلام، و إنهم دارة الروم و أنصار الشرك، اللَّهمّ إن هذا يوم من أيامك، اللَّهمّ أنزل نصرك على عبادك. قالوا: و لما أقبل خالد من العراق قال رجل من نصارى العرب لخالد بن الوليد:
ما أكثر الروم و أقل المسلمين!! فقال خالد: ويلك، أ تخوفنى بالروم؟ إنما تكثر الجنود بالنصر، و تقل بالخذلان لا بعدد الرجال، و اللَّه لوددت أن الأشقر برأ من توجعه، و أنهم أضعفوا في العدد- و كان فرسه قد حفا و اشتكى في مجيئه من العراق- و لما تقارب الناس تقدم أبو عبيدة و يزيد بن أبى سفيان و معهما ضرار بن الأزور، و الحارث بن هشام، و أبو جندل بن سهيل، و نادوا: إنما نريد أميركم لنجتمع به، فأذن لهم في الدخول على تذارق، و إذا هو جالس في خيمة من حرير. فقال الصحابة:
لا نستحل دخولها، فأمر لهم بفرش بسط من حرير، فقالوا: و لا نجلس على هذه. فجلس معهم حيث