البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٧ - فتح السوس
المؤمنين عمر، ثم تسلموا ما في البلد من الأموال و الحواصل فاقتسموا أربعة أخماسه فنال كل فارس ثلاثة آلاف و كل راجل ألف درهم.
فتح السوس
ثم ركب أبو سبرة في طائفة من الجيش و معه أبو موسى الأشعري و النعمان بن مقرن، و استصحبوا معهم الهرمزان، و ساروا في طلب المنهزمين من الفرس حتى نزلوا على السوس، فأحاطوا بها. و كتب أبو سبرة إلى عمر فجاء الكتاب بأن يرجع أبو موسى إلى البصرة، و أمر عمر زر بن عبد اللَّه بن كليب العقيمى- و هو صحابى- أن يسير إلى جندسابور، فسار. ثم بعث أبو سبرة بالخمس و بالهرمزان مع وفد فيهم أنس بن مالك و الأحنف بن قيس، فلما اقتربوا من المدينة هيئوا الهرمزان بلبسه الّذي كان يلبسه من الديباج و الذهب المكلل بالياقوت و اللآلئ. ثم دخلوا المدينة و هو كذلك فتيمموا به منزل أمير المؤمنين، فسألوا عنه فقالوا: انه ذهب إلى المسجد بسبب وفد من الكوفة، فجاءوا المسجد فلم يروا أحدا فرجعوا، فإذا غلمان يلعبون فسألوهم عنه فقالوا: إنه نائم في المسجد متوسدا برنسا له.
فرجعوا إلى المسجد فإذا هو متوسد برنسا له كان قد لبسه للوفد، فلما انصرفوا عنه توسد البرنس و نام و ليس في المسجد غيره، و الدرة متعلقة في يده. فقال الهرمزان: أين عمر؟ فقالوا: هو ذا. و جعل الناس يخفضون أصواتهم لئلا ينبهوه، و جعل الهرمزان يقول: و أين حجابه؟ أين حرسه؟ فقالوا:
ليس له حجاب و لا حرس، و لا كاتب و لا ديوان. فقال: ينبغي أن يكون نبيا. فقالوا: بل يعمل عمل الأنبياء. و كثر الناس فاستيقظ عمر بالجلبة فاستوى جالسا، ثم نظر إلى الهرمزان، فقال:
الهرمزان؟ قالوا: نعم. فتأمله و تأمل ما عليه ثم قال: أعوذ باللَّه من النار و أستعين باللَّه. ثم قال: الحمد اللَّه الّذي أذل بالإسلام هذا و أشياعه، يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين، و اهتدوا بهدى نبيكم، و لا تبطرنكم الدنيا فإنها غدارة. فقال له الوفد: هذا ملك الأهواز فكلمه. فقال: لا حتى لا يبقى عليه من حليته شيء. ففعلوا ذلك و ألبسوه ثوبا صفيقا، فقال عمر: يا هرمزان كيف رأيت وبال الغدر و عاقبة أمر اللَّه؟ فقال: يا عمر: أنا و إياكم في الجاهلية كان اللَّه قد خلى بيننا و بينكم فغلبناكم، إذ لم يكن معنا و لا معكم، فلما كان معكم غلبتمونا. فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم و تفرقنا. ثم قال: ما عذرك و ما حجتك في انقاضك مرة بعد مرة؟ فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك. قال: لا تخف ذلك. فاستسقى الهرمزان ماء فأتى به في قدح [غليظ، فقال: لو مت عطشا لم أستطع أن أشرب في هذا. فأتى به في قدح] [١] آخر يرضاه فلما أخذه جعلت يده ترعد، و قال: إني أخاف أن أقتل و أنا أشرب. فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه فأكفاه. فقال عمر:
[١] لم ترد في الحلبية.