البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٤ - ذكر غزو بلاد فارس من ناحية البحرين
و جاء بأعظم مما جاء به العلاء بن الحضرميّ من ناحية البحرين. فأحب العلاء أن يفعل فعلا في فارس نظير ما فعله سعد فيهم، فندب الناس إلى حربهم، فاستجاب له أهل بلاده، فجزأهم أجزاء، فعلى فرقة الجارود بن المعلى، و على الأخرى السوار بن همام، و على الأخرى خليد بن المنذر بن ساوى، و خليد هو أمير الجماعة. فحملهم في البحر إلى فارس، و ذلك بغير إذن عمر له في ذلك- و كان عمر يكره ذلك لأن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أبا بكر ما أغزيا فيه المسلمين- فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا من عند إصطخر فحالت فارس بينهم و بين سفنهم، فقام في الناس خليد بن المنذر فقال:
أيها الناس، إنما أراد هؤلاء القوم بصنيعهم هذا محاربتكم، و أنتم جئتم لمحاربتهم، فاستعينوا باللَّه و قاتلوهم، فإنما الأرض و السفن لمن غلب، وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ فأجابوه إلى ذلك فصلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا في مكان من الأرض يدعى طاوس، ثم أمر خليد المسلمين فترجلوا و قاتلوا فصبروا، ثم ظفروا فقتلوا فارس مقتلة لم يقتلوا قبلها مثلها. ثم خرجوا يريدون البصرة فغرقت بهم سفنهم، و لم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلا و وجدوا شهرك في أهل إصطخر قد أخذوا على المسلمين بالطرق، فعسكروا و امتنعوا من العدو. و لما بلغ عمر ما صنع العلاء بن الحضرميّ، اشتد غضبه عليه، و بعث إليه فعزله و توعده، و أمره بأثقل الأشياء عليه، و أبغض الوجوه إليه. فقال: الحق بسعد بن أبى وقاص [فخرج العلاء إلى سعد بن أبى وقاص [١] و [٢]] مضافا إليه، و كتب عمر إلى عتبة بن غزوان: إن العلاء بن الحضرميّ خرج بجيش فأقطعهم أهل فارس و عصاني، و أظنه لم يرد اللَّه بذلك، فخشيت عليهم إن لا ينصروا، أن يغلبوا و ينشبوا، فاندب إليهم الناس و اضممهم إليك من قبل أن يحتاجوا. فندب عتبة المسلمين و أخبرهم بكتاب عمر إليه في ذلك، فانتدب جماعة من الأمراء الأبطال، منهم هاشم بن أبى وقاص، و عاصم بن عمرو، و عرفجة بن هرثمة، و حذيفة بن محصن، و الأخنف بن قيس، و غيرهم، في اثنى عشر ألفا. و على الجميع أبو سبرة بن أبى رهم. فخرجوا على البغال يجنبون الخيل سراعا، فساروا على الساحل لا يلقون أحدا حتى انتهوا إلى موضع الوقعة التي كانت بين المسلمين من أصحاب العلاء، و بين أهل فارس بالمكان المسمى بطاوس، و إذا خليد بن المنذر و من معه من المسلمين محصورون قد أحاط بهم العدو من كل جانب، و قد تداعت عليهم تلك الأمم من كل وجه، و قد تكاملت أمداد المشركين، و لم يبق إلا القتال. فقدم المسلمون إليهم في أحوج ما هم فيه إليهم، فالتقوا مع المشركين رأسا، فكسر أبو سبرة المشركين كسرة عظيمة، و قتل منهم مقتلة عظيمة جدا، و أخذ منهم أموالا جزيلة باهرة، و استنقذ خليدا و من معه من المسلمين من أيديهم، و أعز به الإسلام و أهله، و دفع
[١] بياض بالنسخة المصرية.
[٢] زيادة بالمصرية.