البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٨ - فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه
هما فتيا دهر يكر عليهما* * * نهار و ليل يلحقان التواليا
إذا ما هما مرّا بحي بغبطة* * * أناخا بهم حتى يلاقوا الدواهيا
و هذا يقتضي بادى الرأى أنه دخل دمشق و ليس كذلك، فإنه لم ينقل أحد أنه دخلها في شيء من قدماته الثلاث إلى الشام، أما الأولى و هي هذه فإنه سار من الجابية إلى بيت المقدس، كما ذكر سيف و غيره و اللَّه أعلم. و قال الواقدي أما رواية غير أهل الشام فهي أن عمر دخل الشام مرتين و رجع الثالثة من سرع سنة سبع عشرة و هم يقولون دخل في الثالثة دمشق و حمص و أنكر الواقدي ذلك.
قلت: و لا يعرف أنه دخل دمشق إلا في الجاهلية قبل إسلامه كما بسطنا ذلك في سيرته. و قد روينا أن عمر حين دخل بيت المقدس سأل كعب الأحبار عن مكان الصخرة فقال: يا أمير المؤمنين أذرع من وادي جهنم كذا و كذا ذراعا فهي ثمّ. فذرعوا فوجدوها و قد اتخذها النصارى مزبلة، كما فعلت اليهود بمكان القمامة، و هو المكان الّذي صلب فيه المصلوب الّذي شبه بعيسى فاعتقدت النصارى و اليهود أنه المسيح. و قد كذبوا في اعتقادهم هذا كما نص اللَّه تعالى على خطئهم في ذلك.
و المقصود أن النصارى لما حكموا على بيت المقدس قبل البعثة بنحو من ثلاثمائة سنة، طهروا مكان القمامة و اتخذوه كنيسة هائلة بنتها أم الملك قسطنطين باني المدينة المنسوبة اليه، و اسم أمه هيلانة الحرانية البندقانية. و أمرت ابنها فبنى للنصارى بيت لحم على موضع الميلاد، و بنت هي على موضع القبر فيما يزعمون. و الغرض أنهم اتخذوا مكان قبلة اليهود مزبلة أيضا، في مقابلة ما صنعوا في قديم الزمان و حديثه.
فلما فتح عمر بيت المقدس و تحقق موضع الصخرة، أمر بإزالة ما عليها من الكناسة حتى قيل إنه كنسها بردائه، ثم استشار كعبا أين يضع المسجد؟ فأشار عليه بأن يجعله وراء الصخرة، فضرب في صدره و قال. يا ابن أم كعب ضارعت اليهود: و أمر ببنائه في مقدم بيت المقدس.
قال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر ثنا حماد بن سلمة عن أبى سنان عن عبيد بن آدم و أبى مريم و أبى شعيب أن عمر بن الخطاب كان بالجابية فذكر فتح بيت المقدس، قال قال ابن سلمة: فحدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم سمعت عمر يقول لكعب: أين ترى أن أصلى؟ قال إن أخذت عنى صليت خلف الصخرة و كانت القدس كلها بين يديك، فقال عمر ضاهيت اليهودية لا و لكن أصلى حيث صلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط رداءه و كنس الكناسة في ردائه و كنس الناس. و هذا إسناد جيد اختاره الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه المستخرج، و قد تكلمنا على رجاله في كتابنا الّذي أفردناه في مسند عمر، ما رواه من الأحاديث المرفوعة و ما روى عنه من الآثار الموقوفة مبوبا على أبواب الفقه و للَّه الحمد و المنة.
و قد روى سيف بن عمر عن شيوخه عن سالم قال: لما دخل عمر الشام تلقاه رجل من يهود دمشق،