البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥ - وقعة اليرموك
قلت: و هذا ذكر سياق سيف و غيره على ما أورده ابن جرير و غيره. قال: و لما توجهت هذه الجيوش نحو الشام أفزع ذلك الروم و خافوا خوفا شديدا، و كتبوا إلى هرقل يعلمونه بما كان من الأمر. فيقال إنه كان يومئذ بمحص، و يقال: كان حج عامه ذلك إلى بيت المقدس. فلما انتهى إليه الخبر. قال لهم: ويحكم إن هؤلاء أهل دين جديد، و إنهم لا قبل لأحد بهم، فأطيعوني و صالحوهم بما تصالحونهم على نصف خراج الشام و يبقى لكم جبال الروم، و إن أنتم أبيتم ذلك أخذوا منكم الشام و ضيقوا عليكم جبال الروم. فنخروا من ذلك نخرة حمر الوحش كما هي عاداتهم في قلة المعرفة و الرأى بالحرب و النصرة في الدين و الدنيا. فعند ذلك سار إلى حمص، و أمر هرقل بخروج الجيوش الروميّة صحبة الأمراء، في مقابلة كل أمير من المسلمين جيش كثيف، فبعث إلى عمرو بن العاص أخا له لأبويه «تذارق» في تسعين ألفا من المقاتلة. و بعث جرجه بن بوذيها إلى ناحية يزيد بن أبي سفيان، فعسكر بإزائه في خمسين ألفا أو ستين ألفا. و بعث الدراقص إلى شرحبيل بن حسنة.
و بعث اللقيقار و يقال القيقلان- قال ابن إسحاق و هو خصى هرقل نسطورس- في ستين ألفا إلى أبي عبيدة بن الجراح. و قالت الروم: و اللَّه لنشغلن أبا بكر عن أن يورد الخيول إلى أرضنا. و جميع عساكر المسلمين أحد و عشرون ألفا سوى الجيش الّذي مع عكرمة بن أبي جهل. و كان واقفا في طرف الشام ردءا للناس- في ستة آلاف- فكتب الأمراء إلى أبى بكر و عمر يعلمونهما بما وقع من الأمر العظيم، فكتب إليهم أن اجتمعوا و كونوا جندا واحدا و القوا جنود المشركين، فأنتم أنصار اللَّه و اللَّه ناصر من نصره، و خاذل من كفره، و لن يؤتى مثلكم عن قلة، و لكن من تلقاء الذنوب فاحترسوا منها، و ليصل كل رجل منكم بأصحابه. و قال الصديق: و اللَّه لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان يخالد بن الوليد. و بعث إليه و هو بالعراق ليقدم إلى الشام فيكون الأمير على من به، فإذا فرغ عاد إلى عمله بالعراق، فكان ما سنذكره. و لما بلغ هرقل ما أمر به الصديق أمراءه من الاجتماع، بعث إلى أمرائه أن يجتمعوا أيضا و أن ينزلوا بالجيش منزلا واسع العطن، واسع المطرد، ضيق المهرب، و على الناس أخوه بندارق، و على المقدمة جرجه، و على المجنبتين ماهان و الدراقص، و على البحر القيقلان.
و قال محمد بن عائد عن عبد الأعلى عن سعيد بن عبد العزيز: إن المسلمين كانوا أربعة و عشرين ألفا، و عليهم أبو عبيدة، و الروم كانوا عشرين و مائة ألف عليهم ماهان و سقلاب يوم اليرموك.
و كذا ذكر ابن إسحاق أن سقلاب الخصى كان على الروم يومئذ في مائة ألف، و على المقدمة جرجه- من أرمينية- في اثنى عشر ألفا، و من المستعربة اثنى عشر ألفا عليهم جبلة بن الأيهم: و المسلمون في أربعة و عشرين ألفا، فقاتلوا قتالا شديدا حتى قاتلت النساء من ورائهم أشد القتال. و قال الوليد