البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٧ - فصل
القادسية هذه، يرون أن ثبات ملكهم و زواله بها، و قد بعث أهل كل بلدة قاصدا يكشف ما يكون من خبرهم، فلما كان ما كان من الفتح سبقت الجن بالبشارة إلى أقصى البلاد قبل رسل الأنس فسمعت امرأة ليلا بصنعاء على رأس جبل و هي تقول:
فحييت عنا عكرم ابنة خالد* * * و ما خير زاد بالقليل المصرد
و حييت عنى الشمس عند طلوعها* * * و حييت عنى كل تاج مفرد
و حيتك عنى عصبة نخعية* * * حسان الوجوه آمنوا بمحمد
أقاموا لكسرى يضربون جنوده* * * بكل رقيق الشفرتين مهند
إذا ثوّب الداعي أناخوا بكلكل* * * من الموت مسود الغياطل أجرد
قالوا: و سمع أهل اليمامة مجتازا يغنى بهذه الأبيات:
وجدنا الأكرمين بنى تميم* * * غداة الروع أكثرهم رجالا
هموا ساروا بارعن مكفهر* * * إلى لجب يرونهم رعالا
بحور للأكاسر من رجال* * * كأسد الغاب تحسبهم جبالا
تركن لهم بقادس عزّ فخر* * * و بالخيفين أياما طوالا
مقطعة أكفهم و سوق* * * بمرد حيث قابلت الرجالا
قالوا: و سمع ذلك في سائر بلاد العرب، و قد كانت بلاد العراق بكمالها التي فتحها خالد نقضت العهود و الذمم و المواثيق التي كانوا أعطوها خالدا، سوى أهل بانقيا و برسما، و أهل أ ليس الآخرة ثم عاد الجميع بعد هذه الوقعة التي أوردناها، و ادعوا أن الفرس أجبروهم على نقض العهود، و أخذوا منهم الخراج و غير ذلك. فصدقوهم في ذلك تألفا لقلوبهم و سنذكر حكم أهل السواد في كتابنا الأحكام الكبير إن شاء اللَّه تعالى. و قد ذهب ابن إسحاق و غيره إلى أن وقعة القادسية كانت في سنة خمس عشرة. و زعم الواقدي أنها كانت في سنة ست عشرة. و أما سيف بن عمرو جماعة فذكروها في سنة أربع عشرة، و فيها ذكرها ابن جرير فاللَّه أعلم.
قال ابن جرير و الواقدي: في سنة أربع عشرة جمع عمر بن الخطاب الناس على أبى بن كعب في التراويح و ذلك في شهر رمضان منها، و كتب إلى سائر الأمصار يأمرهم بالاجتماع في قيام شهر رمضان قال ابن جرير و فيها بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان إلى البصرة و أمره أن ينزل فيها بمن معه من المسلمين، و قطع مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن و نواحيها منهم في قول المدائني، و روايته. قال:
و زعم سيف أن البصرة إنما مصرت في ربيع من سنة ست عشرة و أن عتبة بن غزوان إنما خرج إلى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد من جلولاء و تكريت، وجهه إليها سعد بأمر عمر رضى اللَّه عنهم.