البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٥ - فصل
رجله في القيد فأطلقته، و ركب فرس سعد و خرج فقاتل قتالا شديدا، و جعل سعد ينظر إلى فرسه فيعرفها و ينكروها و يشبهه بأبي محجن و لكن يشك لظنه أنه في القصر موثق، فلما كان آخر النهار رجع فوضع رجله في قيدها و نزل سعد فوجد فرسه يعرق فقال: ما هذا؟ فذكروا له قصة أبى محجن فرضى عنه و أطلقه رضى اللَّه عنهما.
و قد قال رجل من المسلمين في سعد رضى اللَّه عنه:
نقاتل حتى أنزل اللَّه نصره* * * و سعد بباب القادسية معصم
فأبنا و قد آمت نساء كثيرة* * * و نسوة سعد ليس فيهن أيم
فيقال إن سعدا نزل إلى الناس فاعتذر إليهم مما فيه من القروح في فخذيه و أليتيه، فعذره الناس. و يذكر أنه دعا على قائل هذين البيتين و قال: اللَّهمّ إن كان كاذبا، أو قال الّذي قال رياء و سمعة و كذبا فاقطع لسانه و يده. فجاءه سهم و هو واقف بين الصفين، فوقع في لسانه فبطل شقه فلم يتكلم حتى مات رواه سيف عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر فذكره. و قال سيف عن المقدام بن شريح الحارثي عن أبيه قال قال جرير بن عبد اللَّه البجلي:
أنا جرير و كنيتي أبو عمرو* قد فتح اللَّه و سعد في القصر فأشرف سعد من قصره و قال:
و ما أرجو بجيلة غير أنى* * * أؤمل أجرها يوم الحساب
و قد دلفيت خيولهم خيولا* * * و قد وقع الفوارس في الضراب
و قد دلفت بعرصتهم خيول* * * كأن زهاءها إبل الجراب
فلو لا جمع قعقاع بن عمرو* * * و حمال للجّوا في الركاب
و لو لا ذاك ألفيتم رعاعا* * * تسيل جموعكم مثل الذباب
و قد روى محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم البجلي- و كان ممن شهد القادسية- قال: كان معنا رجل من ثقيف فلحق بالفرس مرتدا، فأخبرهم أن بأس الناس في الجانب الّذي فيه بجيلة. قال: و كنا ربع الناس، قال: فوجهوا إلينا ستة عشر فيلا، و جعلوا يلقون تحت أرجل خيولنا حسك الحديد، و يرشقوننا بالنشاب، فلكأنه المطر، و قربوا خيولهم بعضها إلى بعض لئلا ينفروا. قال: و كان عمرو بن معديكرب الزبيدي يمر بنا فيقول: يا معشر المهاجرين، كونوا أسودا فإنما الفارسي تيس. قال: و كان فيهم أسوار لا تكاد تسقط له نشابة، فقلنا له يا أبا ثور اتق ذاك الفارس فإنه لا تسقط له نشابة، فوجه إليه الفارس و رماه بنشابة فأصاب ترسه و حمل عليه عمرو فاعتنقه فذبحه فاستلبه سوارين من ذهب، و منطقة من ذهب، و يلمقا من ديباج. قال: و كان المسلمون