البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٦ - فصل
ستة آلاف أو سبعة آلاف، فقتل اللَّه رستما و كان الّذي قتله رجل يقال له هلال بن علقمة التميمي، رماه رستم بنشابة فأصاب قدمه و حمل عليه هلال فقتله و احتز رأسه و ولت الفرس فاتبعهم المسلمون يقتلونهم فأدركوهم في مكان قد نزلوا فيه و اطمأنوا، فبينما هم سكارى قد شربوا و لعبوا إذ هجم عليهم المسلمون فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، و قتل لك الجالينوس، قتله زهرة بن حوية التميمي. ثم ساروا خلفهم فكلما تواجه الفريقان نصر اللَّه حزب الرحمن، و خذل حزب الشيطان و عبدة النيران، و احتاز المسلمون من الأموال ما يعجز عن حصره ميزان و قبان، حتى أن منهم من يقول من يقايض بيضاء بصفراء لكثرة ما غنموا من الفرسان. و لم يزالوا يتبعونهم حتى جازوا الفرات وراءهم و فتحوا المدائن و جلولاء على ما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء اللَّه تعالى و به الثقة و قال سيف بن عمر عن سليمان بن بشير عن أم كثير امرأة همام بن الحارث النخعي قالت: شهدنا القادسية مع سعد مع أزواجنا، فلما أتانا أن قد فرغ من الناس، شددنا علينا ثيابنا و أخذنا الهراويّ ثم أتينا القتلى، فمن كان من المسلمين سقيناه و رفعناه، و من كان من المشركين أجهزنا عليه، و معنا الصبيان فنوليهم ذلك- تعنى استلابهم- لئلا يكشفن عن عورات الرجال.
و قال سيف بأسانيده عن شيوخه قالوا: و كتب سعد إلى عمر يخبره بالفتح و بعدة من قتلوا من المشركين. و بعدة من قتل من المسلمين، و بعث بالكتاب مع سعد بن عميلة الفزاري و صورته «أما بعد فان اللَّه نصرنا على أهل فارس و منحناهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم، بعد قتال طويل، و زلزال شديد، و قد لقوا المسلمين بعدة لم ير الراءون مثل زهائها، فلم ينفعهم اللَّه بذلك، بل سلبوه و نقله عنهم إلى المسلمين، و اتبعهم المسلمون على الأنهار، و صفوف الآجام، و في الفجاح.
و أصيب من المسلمين سعد بن عبيد القاري و فلان و فلان، و رجال من المسلمين لا يعلمهم إلا اللَّه، فإنه بهم عالم كانوا يدوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل كدوي النحل، و هم آساد في النهار لا تشبههم الأسود، و لم يفضل من مضى منهم من بقي إلا بفضل الشهادة إذا لم تكتب لهم» فيقال إن عمر قرأ هذه البشارة على الناس فوق المنبر رضى اللَّه عنهم. ثم قال عمر للناس: إني حريص على أن لا أرى حاجة إلا سددتها، ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنا تأسينا في عيشنا حتى نستوى في الكفاف، و لوددت أنكم علمتم من نفسي مثل الّذي وقع فيها لكم، و لست معلمكم إلا بالعمل، إني و اللَّه لست بملك فأستعبدكم، و لكنى عبد اللَّه عرض على الأمانة فان أبيتها و رددتها عليكم و اتبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم و ترووا سعدت بكم، و إن أنا حملتها و استتبعتكم إلى بيتي شقيت بكم، ففرحت قليلا و حزنت طويلا، فبقيت لا أقال و لا أرد فأستعتب.
و قال سيف عن شيوخه قالوا: و كانت العرب من العذيب إلى عدن أبين، يتربصون وقعة