البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٣ - فصل
فحمله عليها ثم انجذب في السير ليأتوا به سعدا و سبقهم عاصم فمر بباب قد بس فطواه و قال بشروا الأمير بالظفر، ظفرنا إن شاء اللَّه تعالى، ثم مضى حتى جعل التراب في الحجر ثم رجع فدخل على سعد فأخبره الخبر. فقال: ابشروا فقد و اللَّه أعطانا اللَّه أقاليد ملكهم، و تفاءلوا بذلك أخذ بلادهم.
ثم لم يزل أمر الصحابة يزداد في كل يوم علوا و شرفا و رفعة، و ينحط أمر الفرس سفلا و ذلا و وهنا.
و لما رجع رستم إلى الملك يسأله عن حال من رأى من المسلمين؟ فذكر له عقلهم و فصاحتهم و حدة جوابهم، و أنهم يرومون أمرا يوشك أن يدركوه. و ذكر ما أمر به أشرفهم من حمل التراب و أنه استحمق أشرفهم في حمله التراب على رأسه، و لو شاء اتقى بغيره و أنا لا أشعر. فقال له رستم: إنه ليس أحمق، و ليس هو بأشرفهم، إنما أراد أن يفتدى قومه بنفسه و لكن و اللَّه ذهبوا بمفاتيح أرضنا.
و كان رستم منجما، ثم أرسل رجلا وراءهم و قال: إن أدرك التراب فرده تداركنا أمرنا، و إن ذهبوا به إلى أميرهم غلبونا على أرضنا. قال: فساق وراءهم فلم يدركهم بل سبقوه إلى سعد بالتراب. و ساء ذلك فارس و غضبوا من ذلك أشد الغضب و استهجنوا رأى الملك.
فصل
كانت وقعة القادسية وقعة عظيمة لم يكن بالعراق أعجب منها، و ذلك أنه لما تواجه الصفان كان سعد رضى اللَّه عنه قد أصابه عرق النسا، و دمامل في جسده، فهو لا يستطيع الركوب، و إنما هو في قصر متكئ على صدره فوق وسادة و هو ينظر إلى الجيش، و يدبر أمره، و قد جعل أمر الحرب إلى خالد بن عرفطة، و جعل على الميمنة جرير بن عبد اللَّه البجلي، و على الميسرة قيس بن مكشوح، و كان قيس و المغيرة بن شعبة قد قدما على سعد مددا من عند أبى عبيدة من الشام بعد ما شهدا وقعة اليرموك.
و زعم ابن إسحاق أن المسلمين كانوا ما بين السبعة آلاف إلى الثمانية آلاف، و أن رستما كان في ستين ألفا، فصلى سعد بالناس الظهر ثم خطب الناس فوعظهم و حثهم و تلا قوله تعالى وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ و قرأ القراء آيات الجهاد و سورة، ثم كبر سعد أربعا ثم حملوا بعد الرابعة فاقتتلوا حتى كان الليل فتحاجزوا، و قد قتل من الفرقين بشر كثير، ثم أصبحوا إلى مواقفهم فاقتتلوا يومهم ذلك و عامة ليلتهم، ثم أصبحوا كما أمسوا على مواقفهم، فاقتتلوا حتى أمسوا ثم اقتتلوا في اليوم الثالث كذلك و أمست هذه الليلة تسمى ليلة الهرير، فلما أصبح اليوم الرابع اقتتلوا قتالا شديدا و قد قاسوا من الفيلة بالنسبة إلى الخيول العربية بسبب نفرتها منها أمرا بليغا، و قد أباد الصحابة الفيلة و من عليها، و قلعوا عيونها، و أبلى جماعة من الشجعان في هذه الأيام مثل طليحة الأسدي، و عمرو بن معديكرب، و القعقاع بن عمرو، و جرير بن عبد اللَّه البجلي، و ضرار ابن الخطاب، و خالد بن عرفطة، و أشكالهم و أضرابهم، فلما كان وقت الزوال من هذا اليوم