البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٧ - ذكر مسير أمير المؤمنين على رضى اللَّه عنه إلى الخوارج
الدؤلي ألف و سبعمائة، فكمل جيش على في ثمانية و ستين ألف فارس و مائتي فارس و قام على أمير المؤمنين خطيبا فحثهم على الجهاد و الصبر عند لقاء العدو، و هو عازم على الشام، فبينما هو كذلك إذ بلغه أن الخوارج قد عاثوا في الأرض فسادا و سفكوا الدماء و قطعوا السبل و استحلوا المحارم، و كان من جملة من قتلوه عبد اللَّه بن خباب صاحب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، أسروه و امرأته معه و هي حامل فقالوا: من أنت؟ قال: أنا عبد اللَّه بن خباب صاحب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و انكم قد روعتمونى فقالوا: لا بأس عليك،
حدثنا ما سمعت من أبيك فقال: سمعت أبى يقول: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، و القائم خير من الماشي، و الماشي خير من الساعي»
فاقتادوه بيده فبينما هو يسير معهم إذ لقي بعضهم خنزيرا لبعض أهل الذمة فضربه بعضهم فشق جلده فقال له آخر: لم فعلت هذا و هو لذمي؟ فذهب إلى ذلك الذمي فاستحله و أرضاه و بينا هو معهم إذ سقطت تمرة من نخلة فأخذها أحدهم فألقاها في فمه، فقال له آخر: بغير إذن و لا ثمن؟ فألقاها ذاك من فمه، و مع هذا قدموا عبد اللَّه بن خباب فذبحوه، و جاءوا إلى امرأته فقالت: إني امرأة حبلى، ألا تتقون اللَّه، فذبحوها و بقروا بطنها عن ولدها، فلما بلغ الناس هذا من صنيعهم خافوا إن هم ذهبوا إلى الشام و اشتغلوا بقتال أهله أن يخلفهم هؤلاء في ذراريهم و ديارهم بهذا الصنع، فخافوا غائلتهم، و أشاروا على عليّ بأن يبدأ بهؤلاء، ثم إذا فرغ منهم ذهب إلى أهل الشام بعد ذلك و الناس آمنون من شر هؤلاء فاجتمع الرأى على هذا و فيه خيرة عظيمة لهم و لأهل الشام أيضا
فأرسل على إلى الخوارج رسولا من جهته و هو الحرب بن مرة العبديّ، فقال: أخبر لي خبرهم، و اعلم لي أمرهم و اكتب إلى به على الجلية،
فلما قدم عليهم قتلوه و لم ينظروه، فلما بلغ ذلك عليا عزم على الذهاب إليهم أولا قبل أهل الشام.
ذكر مسير أمير المؤمنين على رضى اللَّه عنه إلى الخوارج
لما عزم على و من معه من الجيش على البداءة بالخوارج، نادى مناديه في الناس بالرحيل فعبر الجسر فصلى ركعتين عنده ثم سلك على دير عبد الرحمن، ثم دير أبى موسى، ثم على شاطئ الفرات، فلقيه هنالك منجم فأشار عليه بوقت من النهار يسير فيه و لا يسير في غيره، فإنه يخشى عليه فخالفه على فسار على خلاف ما قال فأظفره اللَّه،
و قال على: إنما أردت أن أبين للناس خطأه و خشيت أن يقول جاهل، إنما ظفر لكونه وافقه،
و سلك عليّ ناحية الأنبار و بعث بين يديه قيس ابن سعد، و أمره أن يأتى المدائن و أن يتلقاه بنائبها سعد بن مسعود، و هو أخو عبد اللَّه بن مسعود الثقفي- في جيش المدائن
فاجتمع الناس هنالك على على، و بعث إلى الخوارج: أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم حتى أقتلهم ثم أنا تارككم و ذاهب إلى العرب- يعنى أهل الشام- ثم لعل اللَّه أن يقبل بقلوبكم و يردكم إلى خير مما أنتم عليه.
فبعثوا إلى على يقولون: كلنا قتل إخوانكم و نحن