البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٨ - ذكر مسير أمير المؤمنين على رضى اللَّه عنه إلى الخوارج
مستحلون دماءهم و دماءكم. فتقدم إليهم قيس بن سعد بن عبادة فوعظهم فيما ارتكبوه من الأمر العظيم، و الخطب الجسيم، فلم ينفع و كذلك أبو أيوب الأنصاري أنبهم و وبخهم فلم ينجع، و تقدم أمير المؤمنين على بن أبى طالب إليهم فوعظهم و خوفهم و حذرهم و أنذرهم و توعدهم و قال: إنكم أنكرتم على أمرا أنتم دعوتموني إليه فنهيتكم عنه فلم تقبلوا و ها أنا و أنتم فارجعوا إلى ما خرجتم منه و لا ترتكبوا محارم اللَّه فإنكم قد سولت لكم أنفسكم أمرا تقتلون عليه المسلمين، و اللَّه لو قتلتم عليه دجاجة لكان عظيما عند اللَّه، فكيف بدماء المسلمين؟ فلم يكن لهم جواب إلا أن تنادوا فيما بينهم أن لا تخاطبوهم و لا تكلموهم و تهيّئوا للقاء الرب عز و جل، الرواح الرواح إلى الجنة. و تقدموا فاصطفوا للقتال و تأهبوا للنزال فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصن الطائي السنبسي، و على الميسرة شريح بن أوفى، و على خيالتهم حمزة بن سنان، و على الرجالة حرقوص بن زهير السعدي. و وقفوا مقاتلين لعلى و أصحابه. و جعل على على ميمنته حجر بن عدي، و على الميسرة شبيث بن ربعي و معقل بن قيس الرياحي، و على الخيل أبا أيوب الأنصاري، و على الرجالة أبا قتادة الأنصاري، و على أهل المدينة- و كانوا في سبعمائة- قيس بن سعد بن عبادة،
و أمر عليّ أبا أيوب الأنصاري أن يرفع راية أمان للخوارج و يقول لهم: من جاء إلى هذه الراية فهو آمن، و من انصرف إلى الكوفة و المدائن فهو آمن، إنه لا حاجة لنا فيكم إلا فيمن قتل إخواننا، فانصرف منهم طوائف كثيرون- و كانوا في أربعة آلاف- فلم يبق منهم إلا ألف أو أقل مع عبد اللَّه بن وهب الراسبي، فزحفوا إلى على فقدّم على بين يديه الخيل و قدم منهم الرماة و صف الرجالة وراء الخيالة، و قال لأصحابه: كفوا عنهم حتى يبدؤكم،
و أقبلت الخوارج يقولون: لا حكم إلا للَّه، الرواح الرواح إلى الجنة، فحملوا على الخيالة الذين قدمهم على، ففرقوهم حتى أخذت طائفة من الخيالة إلى الميمنة، و أخرى إلى الميسرة، فاستقبلتهم الرماة بالنبل، فرموا وجوههم، و عطفت عليهم الخيالة من الميمنة، و الميسرة و نهض إليهم الرجال بالرماح و السيوف فأناموا الخوارج فصاروا صرعى تحت سنابك الخيول، و قتل أمراؤهم عبد اللَّه بن وهب، و حرقوص بن زهير، و شريح بن أوفى، و عبد اللَّه بن سخبرة السلمي، قبحهم اللَّه. قال أبو أيوب: و طعنت رجلا من الخوارج بالرمح فأنفذته من ظهره و قلت له: أبشر يا عدو اللَّه بالنار، فقال:
ستعلم أينا أينا أولى بها صليا. قالوا: و لم يقتل من أصحاب على إلا سبعة نفر
و جعل على يمشى بين القتلى منهم و يقول: بؤسا لكم! لقد ضركم من غركم، فقالوا: يا أمير المؤمنين و من غيرهم؟ قال: الشيطان و أنفس بالسوء أمارة، غرتهم بالأماني و زينت لهم المعاصي، و نبأتهم أنهم ظاهرون ثم أمر بالجرحى من بينهم فإذا هم أربعمائة، فسلمهم إلى قبائلهم ليداووهم، و قسم ما وجد من سلاح و متاع لهم.
و قال الهيثم بن عدي في كتاب الخوارج: و حدثنا محمد بن قيس الأسدي و منصور بن دينار عن عبد الملك