البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٦ - ذكر خروج الخوارج من الكوفة و مبارزتهم عليا رضى اللَّه عنه بالعداوة و المخالفة و قتال على إياهم و ما ورد فيهم من الأحاديث
و لكن أخرجوا وحدانا لئلا يفطن بكم، فكتبوا كتابا عاما إلى من هو على مذهبهم و مسلكهم من أهل البصرة و غيرها و بعثوا به إليهم ليوافوهم إلى النهر ليكونوا يدا واحدة على الناس، ثم خرجوا يتسللون وجدانا لئلا يعلم أحد بهم فيمنعوهم من الخروج فخرجوا من بين الآباء و الأمهات و الأخوال و الخالات و فارقوا سائر القرابات، يعتقدون بجهلهم و قلة علمهم و عقلهم أن هذا الأمر يرضى رب الأرض و السموات، و لم يعلموا أنه من أكبر الكبائر الموبقات، و العظائم و الخطيئات، و أنه مما زينه لهم إبليس الشيطان الرجيم المطرود عن السموات الّذي نصب العداوة لأبينا آدم ثم لذريته ما دامت أرواحهم في أجسادهم مترددات، و اللَّه المسئول أن يعصمنا منه بحوله و قوته إنه مجيب الدعوات، و قد تدارك جماعة من الناس بعض أولادهم و إخوانهم فردوهم و أنبوهم و وبخوهم فمنهم من استمر على الاستقامة، و منهم من فر بعد ذلك فلحق بالخوارج فخسر إلى يوم القيامة، و ذهب الباقون إلى ذلك الموضع و وافى إليهم من كانوا كتبوا إليه من أهل البصرة و غيرها، و اجتمع الجميع بالنهروان و صارت لهم شوكة و منعة، و هم جند مستقلون و فيهم شجاعة و عندهم أنهم متقربون بذلك.
فهم لا يصطلى لهم بنار، و لا يطمع في أن يؤخذ منهم بثأر، و باللَّه المستعان. و قال أبو مخنف عن أبى روق عن الشعبي أن عليا لما خرجت الخوارج إلى النهروان و هرب أبو موسى إلى مكة، ورد ابن عباس إلى البصرة، قام في الناس بالكوفة خطيبا فقال: الحمد للَّه و إن أتى الدهر بالخطب الفادح، و الحدثان الجليل الكادح، و أشهد أن لا إله غيره و أن محمدا رسول اللَّه، أما بعد فان المعصية تشين و تسوء و تورث الحسرة، و تعقب الندم، و قد كنت أمرتكم في هذين الرجلين و في هذه الحكومة بأمرى، و نحلتكم رأيي، فأبيتم إلا ما أردتم، فكنت أنا و أنتم كما قال أخو هوازن:
بذلت لهم نصحى بمنعرج اللوى* * * فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
ثم تكلم فيما فعله الحكمان فرد عليهما ما حكما به و أنبهما، و قال ما فيه حط عليهما، ثم ندب الناس إلى الخروج إلى الجهاد في أهل الشام، و عين لهم يوم الاثنين يخرجون فيه، و كتب إلى ابن عباس و الى البصرة يستنفر له الناس إلى الخروج إلى أهل الشام، و كتب إلى الخوارج يعلمهم أن الّذي حكم به الحكمان مردود عليهما، و أنه قد عزم على الذهاب إلى الشام، فهلموا حتى نجتمع على قتالهم. فكتبوا إليه: أما بعد فإنك لم تغضب لربك، و إنما غضبت لنفسك و إن شهدت على نفسك بالكفر و استقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا و بينك، و إلا فقد نابذناك على سواء إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ، فلما قرأ على كتابهم يئس منهم و عزم على الذهاب إلى أهل الشام ليناجزهم، و خرج من الكوفة إلى النخيلة في عسكر كثيف- خمسة و ستين ألفا- و بعث إليه ابن عباس بثلاثة آلاف و مائتي فارس من أهل البصرة مع جارية بن قدامة ألف و خمسمائة، و مع أبى الأسود