البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٥ - ذكر خروج الخوارج من الكوفة و مبارزتهم عليا رضى اللَّه عنه بالعداوة و المخالفة و قتال على إياهم و ما ورد فيهم من الأحاديث
و حثهم على الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، ثم قال: فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها، إلى جانب هذا السواد إلى بعض كور الجبال، أو بعض هذه المدائن، منكرين لهذه الأحكام الجائرة. ثم قام حرقوص بن زهير فقال بعد حمد اللَّه و الثناء عليه: إن المتاع بهذه الدنيا قليل، و إن الفراق لها وشيك، فلا يدعونكم زينتها أو بهجتها إلى المقام بها، و لا تلتفت بكم عن طلب الحق و إنكار الظلم ف إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ فقال سنان بن حمزة الأسدي: يا قوم إن الرأى ما رأيتم، و إن الحق ما ذكرتم، فولوا أمركم رجلا منكم، فإنه لا بد لكم من عماد و سناد، و من راية تحفون بها و ترجعون إليها، فبعثوا إلى زيد بن حصن الطائي- و كان من رءوسهم- فعرضوا عليه الإمارة فأبى، ثم عرضوها على حرقوص بن زهير فأبى، و عرضوها على حمزة بن سنان فأبى، و عرضوها على شريح بن أبى أوفى العبسيّ فأبى و عرضوها على عبد اللَّه بن وهب الراسبي فقبلها و قال: أما و اللَّه لا أقبلها رغبة في الدنيا و لا أدعها فرقا من الموت. و اجتمعوا أيضا في بيت زيد بن حصن الطائي السنبسي فخطبهم و حثهم على الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و تلا عليهم آيات من القرآن منها قوله تعالى يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الآية، و قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ و كذا التي بعدها و بعدها الظالمون الفاسقون ثم قال: فأشهد على أهل دعوتنا من أهل قبلتنا أنهم قد اتبعوا الهوى، و نبذوا حكم الكتاب، و جاروا في القول و الأعمال، و أن جهادهم حق على المؤمنين، فبكى رجل منهم يقال له عبد اللَّه بن سخبرة السلمي، ثم حرض أولئك على الخروج على الناس، و قال في كلامه:
اضربوا وجوههم و جباههم بالسيوف حتى يطاع الرحمن الرحيم، فان أنتم ظفرتم و أطيع اللَّه كما أردتم أثابكم ثواب المطيعين له العاملين بأمره- و إن قتلتم فأى شيء أفضل من المصير إلى رضوان اللَّه و جنته؟
قلت: و هذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بنى آدم، فسبحان من نوع خلقه كما أراد، و سبق في قدره العظيم. و ما أحسن ما قال بعض السلف في الخوارج إنهم المذكورون في قوله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً. أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَ لِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً و المقصود أن هؤلاء الجهلة الضلال، و الأشقياء في الأقوال و الأفعال، اجتمع رأيهم على الخروج من بين أظهر المسلمين، و تواطئوا على المسير إلى المدائن ليملكوها على الناس و يتحصنوا بها و يبعثوا إلى إخوانهم و أضرابهم- ممن هو على رأيهم و مذهبهم، من أهل البصرة و غيرها- فيوافوهم إليها. و يكون اجتماعهم عليها. فقال لهم زيد بن حصن الطائي: إن المدائن لا تقدرون عليها، فإن بها جيشا لا تطيقونه و سيمنعونها منكم، و لكن واعدوا إخوانكم إلى جسر نهر جوخى، و لا تخرجوا من الكوفة جماعات،