البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٤ - ذكر خروج الخوارج من الكوفة و مبارزتهم عليا رضى اللَّه عنه بالعداوة و المخالفة و قتال على إياهم و ما ورد فيهم من الأحاديث
ابن يزيد و حبيب بن يسار عن سويد بن غفلة قال: إني لأمشى مع على بشط الفرات فقال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «إن بنى إسرائيل اختلفوا فلم يزل اختلافهم بينهم حتى بعثوا حكمين فضلا و أضلّا، و إن هذه الأمة ستختلف فلا يزال اختلافهم بينهم حتى يبعثوا حكمين فيضلان و يضلان من أتبعهما»
فإنه حديث منكر و رفعه موضوع و اللَّه أعلم. إذ لو كان هذا معلوما عند على لم يوافق على تحكيم الحكمين حتى لا يكون سببا لا ضلال الناس، كما نطق به هذا الحديث. و آفة هذا الحديث هو زكريا بن يحيى و هو الكندي الحميري الأعمى قال ابن معين ليس بشيء.
ذكر خروج الخوارج من الكوفة و مبارزتهم عليا رضى اللَّه عنه بالعداوة و المخالفة و قتال على إياهم و ما ورد فيهم من الأحاديث
لما بعث على أبا موسى و من معه من الجيش إلى دومة الجندل اشتد أمر الخوارج و بالغوا في النكير على عليّ و صرحوا بكفره، فجاء إليه رجلان منهم، و هما زرعة بن البرج الطائي، و حرقوص بن زهير السعدي فقالا: لا حكم إلا للَّه، فقال على: لا حكم إلا للَّه، فقال له حرقوص: تب من خطيئتك و اذهب بنا إلى عدونا حتى نقاتلهم حتى نلقى ربنا. فقال على: قد أردتكم على ذلك فأبيتم، و قد كتبنا بيننا و بين القوم عهودا و قد قال اللَّه تعالى: وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ الآية فقال له حرقوص:
ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه، فقال على: ما هو بذنب و لكنه عجز من الرأى، و قد تقدمت إليكم فيما كان منه، و نهيتكم عنه، فقال له زرعة بن البرج: أما و اللَّه يا على لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب اللَّه لأقاتلنك أطلب بذلك رحمة اللَّه و رضوانه، فقال على: تبا لك ما أشقاك! كأنى بك قتيلا تسفى عليك الريح، فقال: وددت أن قد كان ذلك، فقال له على: إنك لو كنت محقا كان في الموت تعزية عن الدنيا، و لكن الشيطان قد استهواكم.
فخرجا من عنده يحكمان و فشا فيهم ذلك، و جاهروا به الناس، و تعرضوا لعلى في خطبه و أسمعوه السب و الشتم و التعريض بآيات من القرآن، و ذلك أن عليا قام خطيبا في بعض الجمع فذكر أمر الخوارج فذمه و عابه. فقام جماعة منهم كل يقول لا حكم إلا للَّه، و قام رجل منهم و هو واضع إصبعه في أذنيه يقول: وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
فجعل على يقلب يديه هكذا و هكذا و هو على المنبر و يقول: حكم اللَّه ننتظر فيكم. ثم قال: إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ما لم تخرجوا علينا و لا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، و لا تقاتلكم حتى تقاتلونا.
و قال أبو مخنف عن عبد الملك عن أبى حرّة أن عليا لما بعث أبا موسى لإنفاذ الحكومة اجتمع الخوارج في منزل عبد اللَّه بن وهب الراسبي فخطبهم خطبة بليغة زهدهم في هذه الدنيا و رغبهم في الآخرة و الجنة،