البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٦ - قصة التحكيم
و لكنه منعه القراء ممن ذكرنا و قالوا: لا نرضى إلا بأبي موسى الأشعري. و ذكر الهيثم بن عدي في كتاب الخوارج له أن أول من أشار بأبي موسى الأشعري الأشعث بن قيس، و تابعه أهل اليمن، و وصفوه أنه كان ينهى الناس عن الفتنة و القتال، و كان أبو موسى قد اعتزل في بعض أرض الحجاز.
قال على: فانى أجعل الأشتر حكما، فقالوا: و هل سعر الحرب و شعر الأرض إلا الأشتر؟ قال:
فاصنعوا ما شئتم،
فقال الأحنف لعلى: و اللَّه لقد رميت بحجر إنه لا يصلح هؤلاء القوم إلا رجل منهم، يدنو منهم حتى يصير في أكفهم، و يبتعد حتى يصير بمنزلة النجم، فان أبيت أن تجعلني حكما فاجعلني ثانيا و ثالثا، فإنه لن يعقد عقدة إلا أحلها، و لا يحل عقدة عقدتها إلا عقدت لك أخرى مثلها أو أحكم منها. قال: فأبوا إلا أبا موسى الأشعري فذهبت الرسل إلى أبى موسى الأشعري- و كان قد اعتزل- فلما قيل له إن الناس قد اصطلحوا قال: الحمد للَّه، قيل له: و قد جعلت حكما، فقال: إنا للَّه و إنا إليه راجعون، ثم أخذوه حتى أحضروه إلى على رضى اللَّه عنه و كتبوا بينهم كتابا هذه صورته.
بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا ما قاضى عليه على بن أبى طالب أمير المؤمنين، فقال عمرو بن العاص: اكتب اسمه و اسم أبيه، هو أميركم و ليس بأميرنا، فقال الأحنف: لا تكتب إلا أمير المؤمنين، فقال على: امح أمير المؤمنين
و اكتب هذا ما قاضى عليه على بن أبى طالب ثم استشهد على بقصة الحديبيّة حين امتنع أهل مكة هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللَّه، فامتنع المشركون من ذلك و قالوا: اكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللَّه، فكتب الكاتب: هذا ما تقاضى عليه على بن أبى طالب و معاوية بن أبى سفيان، قاضى عليّ على أهل العراق و من معهم من شيعتهم و المسلمين، و قاضى معاوية على أهل الشام و من كان معه من المؤمنين و المسلمين إنا ننزل عند حكم اللَّه و كتابه و نحيى ما أحيى اللَّه، و نميت ما أمات اللَّه فما وجد الحكمان في كتاب اللَّه- و هما أبو موسى الأشعري و عمرو بن العاص- عملا به و ما لم يجدا في كتاب اللَّه فالسنة العادلة الجامعة غير المتفرقة ثم أخذ الحكمان من على و معاوية و من الجندين العهود و المواثيق أنهما آمنان على أنفسهما و أهلهما، و الأمة لهما أنصار على الذين يتقاضيان عليه، و على المؤمنين و المسلمين من الطائفتين كليهما عهد اللَّه و ميثاقه أنهما على ما في هذه الصحيفة، و أجلا القضاء إلى رمضان و إن أحبا أن يؤخرا ذلك على تراض منهما، و كتب في يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع و ثلاثين، على أن يوافي على و معاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في رمضان، و مع كل واحد من الحكمين أربعمائة من أصحابه، فان لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح، و قد ذكر الهيثم في كتابه في الخوارج أن الأشعث بن قيس لما ذهب إلى معاوية بالكتاب و فيه: «هذا ما قاضى عبد اللَّه على