البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧١ - و هذا مقتل عمار بن ياسر رضى اللَّه عنه مع أمير المؤمنين على بن أبى طالب قتله أهل الشام
أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد اللَّه الصفار ثنا الأسقاطي ثنا أبو مصعب ثنا يوسف بن الماجشون عن أبيه عن أبى عبيدة عن محمد بن عمار بن ياسر عن مولاة لعمار قالت: «اشتكى عمار شكوى أرق منها فغشى عليه، فأفاق و نحن نبكي حوله، فقال: ما تبكون؟ أ تخشون أن أموت على فراشي؟ أخبرنى حبيبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه تقتلني الفئة الباغية، و أن آخر زادي من الدنيا مذقة من لبن» و قال أحمد: ثنا ابن أبى عدي عن داود عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدريّ قال: «أمرنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ببناء المسجد فجعلنا ننقل لبنة لبنة و كان عمار ينقل لبنتين لبنتين، فتترب رأسه قال: فحدثني أصحابى و لم أسمعه من رسول اللَّه أنه جعل ينفض رأسه و يقول: ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية» تفرد به أحمد و ما زاده الروافض في هذا الحديث بعد قوله الباغية «لا أنا لها و اللَّه شفاعتي يوم القيامة فهو كذب و بهت على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فإنه قد ثبتت الأحاديث عنه (صلوات اللَّه عليه و سلامه) بتسمية الفريقين مسلمين، كما سنورده قريبا إن شاء اللَّه. قال ابن جرير و قد ذكر أن عمارا لما قتل قال على لربيعة و همدان: أنتم درعي و رمحي، فانتدب له نحو من اثنى عشر ألفا، و تقدمهم على ببلغته فحمل و حملوا معه حملة رجل واحد، فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض و قتلوا كل من انتهوا إليه حتى بلغوا معاوية و على يقاتل و يقول:
أضربهم و لا أرى معاوية* * * الجاحظ العين عظيم الحاوية
قال: ثم دعي على معاوية إلى أن يبارزه فأشار عليه بالخروج إليه عمرو بن العاص فقال له معاوية: إنك لتعلم أنه لم يبارزه رجل قط إلا قتله، و لكنك طمعت فيها بعدي، ثم قدم على ابنه محمد في عصابة كثيرة من الناس، فقاتلوه قتالا شديدا ثم تبعه على في عصابة أخرى، فحمل بهم فقتل في هذا الموطن خلق كثير من الفريقين لا يعلمهم إلا اللَّه و قتل من العراقيين خلق كثير أيضا، و طارت أكف و معاصم و رءوس عن كواهلها، (رحمهم اللَّه). ثم حانت صلاة المغرب فما صلى بالناس إلا إيماء صلاتي العشاء و استمر القتال في هذه الليلة كلها و هي من أعظم الليالي شرا بين المسلمين، و تسمى هذه الليلة ليلة الهرير، و كانت ليلة الجمعة تقصفت الرماح و نفذت النبال، و صار الناس إلى السيوف، و على رضى اللَّه عنه يحرض القبائل، و يتقدم إليهم يأمر بالصبر و الثبات و هو أمام الناس في قلب الجيش، و على الميمنة الأشتر، تولاها بعد قتل عبد اللَّه بن بديل عشية الخميس ليله الجمعة- و على الميسرة ابن عباس، و الناس يقتتلون من كل جانب فذكر غير واحد من علمائنا علماء السير- أنهم اقتتلوا بالرماح حتى تقصفت، و بالنبال حتى فنيت، و بالسيوف حتى تحطمت ثم صاروا إلى أن تقاتلوا بالأيدي و الرمي بالحجارة و التراب في الوجوه، و تعاضوا بالأسنان يقتتل الرجلان حتى يثخنا ثم يجلسان يستريحان، و كل واحد منهما يهمر على الآخر و يهمر عليه ثم يقومان فيقتتلان كما كانا، ف إِنَّا لِلَّهِ