البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٩ - و هذا مقتل عمار بن ياسر رضى اللَّه عنه مع أمير المؤمنين على بن أبى طالب قتله أهل الشام
الحبة و برأ النسمة إلا فهما يؤتيه اللَّه عبدا في القرآن و ما في هذه الصحيفة،
قلت: و ما في هذه الصحيفة؟
فإذا فيها العقل و فكاك الأسير و أن لا يقتل مسلم بكافر، و أن المدينة حرام ما بين ثبير إلى ثور، و ثبت في الصحيحين أيضا من حديث الأعمش عن أبى وائل شقيق بن سلمة عن سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين: أيها الناس اتهموا الرأى على الدين فلقد رأيتني يوم أبى جندل و لو أقدر أن أرد على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أمره لرددته، و اللَّه ما حملنا سيوفنا على عواتقنا منذ أسلمنا لأمر يقطعنا إلا أسهل بنا إلى أمر نعرفه غير أمرنا هذا. و قال ابن جرير: و حدثنا أحمد بن محمد ثنا الوليد بن صالح ثنا عطاء بن مسلم عن الأعمش قال قال أبو عبد الرحمن السلمي: قال كنا مع على بصفين و كنا قد و كلنا بفرسه نفسين يحفظانه يمنعانه أن يحمل، فكان إذا حانت منهما غفلة حمل فلا يرجع حتى يخضب سيفه، و إنه حمل ذات يوم فلم يرجع حتى انثنى سيفه، فألقاه إليهم و قال: لو لا أنه انثنى ما رجعت، قال: و رأيت عمارا لا يأخذ واديا من أودية صفين إلا اتبعه من كان هناك من أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و رأيته جاء إلى هاشم بن عتبة و هو صاحب راية على فقال: يا هاشم تقدم! الجنة تحت ظلال السيوف، و الموت في أطراف الأسنة، و قد فتحت أبواب الجنة و تزينت الحور العين.
اليوم ألقى الأحبه* * * محمدا و حزبه
ثم حملا هو و هاشم فقتلا رحمهما اللَّه تعالى، قال: و حمل حينئذ على و أصحابه على أهل الشام حملة رجل واحد كأنهما: كان- يعنى عمارا و هاشما- عاما لهم قال: فلما كان الليل قلت لأدخلن الليلة إلى العسكر الشاميين حتى أعلم هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا؟- و كنا إذا توادعنا من القتال تحدثوا إلينا و تحدثنا إليهم- فركبت فرسي و قد هدأت الرجل، ثم دخلت عسكرهم فإذا أنا بأربعة يتسامرون، معاوية، و أبو الأعور السلمي، و عمرو بن العاص، و ابنه عبد اللَّه بن عمرو و هو خير الأربعة. قال: فأدخلت فرسي بينهم مخافة أن يفوتني ما يقول بعضهم لبعض، فقال عبد اللَّه لأبيه:
يا أبة قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا و قد قال فيه رسول اللَّه ما قال، قال: و ما قال؟ قال: أ لم يكن معنا و نحن نبنى المسجد و الناس ينقلون حجرا حجرا، و لبنة لبنة، و عمار ينقل حجرين حجرين و لبنتين لبنتين؟
فأتاه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فجعل يمسح التراب عن وجهه و يقول: «ويحك يا ابن سمية الناس ينقلون حجرا حجرا و لبنة لبنة و أنت تنقل حجرين حجرين و لبنتين لبنتين رغبة منك في الأجر و كنت مع ذلك ويحك تقتلك الفئة الباغية»
قال فرجع عمر و صدر فرسه ثم جذب معاوية إليه فقال:
يا معاوية أما تسمع ما يقول عبد اللَّه؟ قال: و ما يقول؟ قال: يقول و أخبره الخبر فقال معاوية إنك شيخ أخرق و لا تزال تحدث بالحديث و أنت تدحض في بولك، أو نحن قتلنا عمارا؟ إنما قتل عمارا من جاء به؟ قال: فخرج الناس من عند فساطيطهم و أخبيتهم و هم يقولون: إنما قتل عمارا من جاء