البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٦ - فصل في وقعة صفين بين أهل العراق من أصحاب على، و بين أهل الشام من أصحاب معاوية
ضراب هامات العدي مغوار
ثم ما زال أهل العراق يكشفون الشاميين عن الماء حتى أزاحوهم عنه و خلوا بينهم و بينه، ثم اصطلحوا على الورود حتى صاروا يزدحمون في تلك الشريعة لا يكلم أحد أحدا، و لا يؤذى إنسان إنسانا. و في رواية أن معاوية لما أمر أبا الأعور بحفظ الشريعة وقف دونها برماح مشرعة، و سيوف مسللة، و سهام مفوقة، و قسى موترة، فجاء أصحاب على عليا فشكوا إليه ذلك فبعث صعصعة بن صوحان إلى معاوية يقول له: إنا جئنا كافين عن قتالكم حتى نقيم عليكم الحجة، فبعثت إلينا مقدمتك فقاتلتنا قبل أن نبدأكم، ثم هذه أخرى قد منعونا الماء، فلما بلغه ذلك قال معاوية للقوم:
ما ذا يريدون؟ فقال عمر و خلّ بينهم و بينه، فليس من النصف أن نكون ريانين و هم عطاش، و قال الوليد: دعهم يذوقوا من العطش ما أذاقوا أمير المؤمنين عثمان حين حصروه في داره، و منعوه طيب الماء و الطعام أربعين صباحا، و قال عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرج: أمنعهم الماء إلى الليل فلعلهم يرجعون إلى بلادهم. فسكت معاوية فقال له صعصعة بن صوحان: ما ذا جوابك؟ فقال: سيأتيكم رأيي بعد هذا، فلما رجع صعصعة فأخبر الخبر ركب الخيل و الرجال، فما زالوا حتى أزاحوهم عن الماء و وردوه قهرا، ثم اصطلحوا فيما بينهم على ورود الماء، و لا يمنع أحد أحدا منه. و أقام على يومين لا يكاتب معاوية و لا يكاتبه معاوية، ثم دعا على بشير بن عمرو الأنصاري و سعيد بن قيس الهمدانيّ و شبيث بن ربعي السهمي فقال: ايتوا هذا الرجل فادعوه إلى الطاعة و الجماعة و اسمعوا ما يقول لكم، فلما دخلوا على معاوية قال له بشير بن عمرو: يا معاوية! إن الدنيا عنك زائلة، و إنك راجع إلى الآخرة، و اللَّه محاسبك بعملك، و مجازيك بما قدمت يداك، و إني أنشدك اللَّه أن تفرق جماعة هذه الأمة، و أن تسفك دماءها بينها. فقال له معاوية هلا أوصيت بذلك صاحبكم؟ فقال له: إن صاحبي أحق هذه البرية بالأمر في فضله و دينه و سابقته و قرابته، و إنه يدعوك إلى مبايعته فإنه أسلم لك في دنياك، و خير لك في آخرتك. فقال معاوية: و يطل دم عثمان؟ لا و اللَّه لا أفعل ذلك أبدا، ثم أراد سعيد بن قيس الهمدانيّ أن يتكلم فبدره شبيث بن ربعي فتكلم قبله بكلام فيه غلظة و جفاء في حق معاوية، فزجره معاوية و زبره في افتياته على من هو أشرف منه، و كلامه بما لا علم له به، ثم أمر بهم فأخرجوا من بين يديه، و صمم على القيام بطلب دم عثمان الّذي قتل مظلوما، فعند ذلك نشبت الحرب بينهم، و أمر على بالطلائع و الأمراء أن تتقدم للحرب، و جعل على يؤمر على كل قوم من الحرب أميرا، فمن أمرائه على الحرب الأشتر النخعي- و هو أكبر من كان يخرج للحرب- و حجر ابن عدي، و شبيث بن ربعي، و خالد بن المعتمر و زياد بن النضر، و زياد بن حفصة، و سعيد بن قيس، و معقل بن قيس، و قيس بن سعد، و كذلك كان معاوية يبعث على الحرب كل يوم أميرا،