البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٥ - فصل في وقعة صفين بين أهل العراق من أصحاب على، و بين أهل الشام من أصحاب معاوية
فعبروا من هيت ثم لحقوا عليا- و قد سبقهم- فقال على: مقدمتي تأتى من ورائي؟
فاعتذروا إليه بما جرى لهم، فعذرهم ثم قدمهم أمامه إلى معاوية بعد أن عبر الفرات فتلقاهم أبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي في مقدمة أهل الشام فتواقفوا، و دعاهم زياد بن النضر أمير مقدمة أهل العراق، إلى البيعة فلم يجيبوه بشيء فكتب إلى على بذلك فبعث إليهم عليّ الأشتر النخعي أميرا، و على ميمنته زياد، و على ميسرته شريح، و أمره أن لا يتقدم إليهم بقتال حتى يبدءوه بالقتال، و لكن ليدعهم إلى البيعة مرة بعد مرة، فإن امتنعوا فلا يقاتلهم حتى يقاتلوه و لا يقرب منهم قرب من يريد الحرب، و لا يبتعد منهم ابتعاد من يهاب الرجال، و لكن صابرهم حتى آتينك فأنا حثيث السير وراءك إن شاء اللَّه، فتحاجزوا يومهم ذلك، فلما كان آخر النهار حمل عليهم أبو الأعور السلمي و بعث معه بكتاب الامارة على المقدمة مع الحارث بن جهمان الجعفي، فلما قدم الأشتر على المقدمة امتثل ما أمره به على، فتواقف هو و مقدمة معاوية و عليها أبو الأعور السلمي فثبتوا له و اصطبروا لهم ساعة ثم انصرف أهل الشام عند المساء، فلما كان الغد تواقفوا أيضا و تصابروا فحمل الأشتر فقتل عبد اللَّه بن المنذر التنوخي- و كان من فرسان أهل الشام- قتله رجل من أهل العراق يقال له ظبيان بن عمارة التميمي، فعند ذلك حمل عليهم أبو الأعور بمن معه، فتقدموا إليهم و طلب الأشتر من أبى الأعور أن يبارزه فلم يجبه أبو الأعور إلى ذلك، و كأنه رآه غير كفء له في ذلك و اللَّه أعلم. و تحاجز القوم عن القتال عند إقبال الليل من اليوم الثاني، فلما كان صباح اليوم الثالث أقبل على رضى اللَّه عنه في جيوشه، و جاء معاوية رضى اللَّه عنه في جنوده، فتواجه الفريقان و تقابل الطائفتان فباللَّه المستعان، فتواقفوا طويلا. و ذلك بمكان يقال له: صفين و ذلك في أوائل ذي الحجة، ثم عدل علي رضى اللَّه عنه فارتاد لجيشه منزلا، و قد كان معاوية سبق بجيشه فنزلوا على مشرعة الماء في أسهل موضع و أفسحه، فلما نزل علي نزل بعيدا من الماء، و جاء سرعان أهل العراق ليردوا من الماء فمنعهم أهل الشام، فوقع بينهم مقاتلة بسبب ذلك، و قد كان معاوية وكل على الشريعة أبا الأعور السلمي، و ليس هناك مشرعة سواها، فعطش أصحاب علي عطشا شديدا فبعث علي الأشعث بن قيس الكندي في جماعة ليصلوا إلى الماء فمنعهم أولئك و قال: موتوا عطشا كما منعتم عثمان الماء، فتراموا بالنبل ساعة، ثم تطاعنوا بالرماح أخرى، ثم تقاتلوا بالسيوف بعد ذلك كله، و أمد كل طائفة أهلها، حتى جاء الأشتر النخعي من ناحية العراقيين و عمرو بن العاص من ناحية الشاميين، و اشتدت الحرب بينهم أكثر مما كانت، و قد قال رجل من أهل العراق- و هو عبد اللَّه بن عوف بن الأحمر الأزدي- و هو يقاتل.
خلوا لنا ماء الفرات الجاري* * * أو اثبتوا بجحفل جرار
لكل قرم مشرب تيار* * * مطاعن برمحه كرار