البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٤ - فصل في وقعة صفين بين أهل العراق من أصحاب على، و بين أهل الشام من أصحاب معاوية
الخليفة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فاللَّه اللَّه في حقكم أن تضيعوه، و في دمكم أن تطلوه، و كتب إلى أجناد الشام فحضروا، و عقدت الألوية و الرايات للأمراء، و تهيأ أهل الشام و تأهبوا، و خرجوا أيضا إلى نحو الفرات من ناحية صفين- حيث يكون مقدم على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه- و سار على رضى اللَّه عنه بمن معه من الجنود من النخيلة قاصدا أرض الشام. قال أبو إسرائيل عن الحكم ابن عيينة: و كان في جيشه ثمانون بدريا و مائة و خمسون ممن بايع تحت الشجرة. رواه ابن ديزيل.
و قد اجتاز في طريقه براهب فكان من أمره ما ذكره الحسين بن ديزيل في كتابه فيما رواه عن يحيى ابن عبد اللَّه الكرابيسي عن نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد حدثني مسلم الأعور عن حبة العرني قال: لما أتى على الرقة نزل بمكان يقال له البلبخ على جانب الفرات فنزل إليه راهب من صومعته
فقال لعلى: إن عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا كتبه أصحاب عيسى بن مريم (عليهما السلام)، أعرضه عليك؟ فقال على: نعم! فقرأ الراهب الكتاب.
«بسم اللَّه الرحمن الرحيم الّذي قضى فيما قضى و سطر فيما سطر، و كتب فيما كتب أنه باعث في الأميين رسولا منهم يعلمهم الكتاب و الحكمة و يزكيهم و يدلهم على سبيل اللَّه، لا فظ و لا غليظ و لا صخاب في الأسواق، و لا يجزى بالسيئة السيئة، و لكن يعفو و يصفح، أمته الحمادون الذين يحمدون اللَّه على كل شرف، و في كل صعود و هبوط، تذل ألسنتهم بالتهليل و التكبير، و ينصره اللَّه على كل من ناوأه فإذا توفاه اللَّه اختلفت أمته ثم اجتمعت فلبثت بذلك ما شاء اللَّه ثم اختلفت ثم يمر رجل من أمته بشاطئ هذا الفرات يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و يقضى بالحق و لا ينكس الحكم، الدنيا أهون عليه من الرماد أو قال التراب- في يوم عصفت فيه الريح- و الموت أهون عليه من شرب الماء، يخاف اللَّه في السر، و ينصح في العلانية، و لا يخاف في اللَّه، لومة لائم، فمن أدرك ذلك النبي من أهل البلاد فآمن به كان ثوابه رضواني و الجنة، و من أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره فان القتل معه شهادة» ثم قال لعلى: فأنا أصاحبك فلا أفارقك حتى يصيبني ما أصابك.
فبكى على ثم قال: الحمد للَّه الّذي لم يجعلني عنده نسيا منسيا، و الحمد للَّه الّذي ذكرني عنده في كتب الأبرار. فمضى الراهب معه و أسلم فكان مع على حتى أصيب يوم صفين، فلما خرج الناس يطلبون قتلاهم قال على: اطلبوا الراهب،
فوجدوه قتيلا، فلما وجدوه صلى عليه و دفنه و استغفر له. و قد بعث على بين يديه زياد بن النضر الحارثي طليعة في ثمانية آلاف، و معه شريح بن هاني، في أربعة آلاف، فساروا في طريق بين يديه غير طريقه، و جاء على فقطع دجلة من جسر منبج و سارت المقدمتان،
فبلغهم أن معاوية قد ركب في أهل الشام ليلتقى أمير المؤمنين عليا فهموا بلقياه فخافوا من قلة عددهم بالنسبة إليه، فعدلوا عن طريقهم و جاءوا ليعبروا من عانات فمنعهم أهل عانات فساروا