البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٣ - فصل في وقعة صفين بين أهل العراق من أصحاب على، و بين أهل الشام من أصحاب معاوية
كتاب الرّد على الرافضة- و روى ابن بطة باسناده عن بكير بن الأشج أنه قال: أما إن رجالا من من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم] [١] و أما على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه فإنه لما فرغ من وقعة الجمل و دخل البصرة و شيع أم المؤمنين عائشة لما أرادت الرجوع إلى مكة، سار من البصرة إلى الكوفة قال أبو الكنود عبد الرحمن بن عبيد فدخلها على يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة خلت من رجب سنة ست و ثلاثين
فقيل له: انزل بالقصر الأبيض، فقال: لا! إن عمر بن الخطاب كان يكره نزوله فأنا أكرهه لذلك،
فنزل في الرحبة و صلى في الجامع الأعظم ركعتين، ثم خطب الناس فحثهم على الخير و نهاهم عن الشر، و مدح أهل الكوفة في خطبته هذه، ثم بعث إلى جرير بن عبد اللَّه- و كان على همذان من زمان عثمان- و إلى الأشعث بن قيس- و هو على نيابة أذربيجان من زمان عثمان- أن يأخذا البيعة على من لك من الرعايا ثم يقبلا إليه، ففعلا ذلك. فلما أراد على رضى اللَّه عنه أن يبعث إلى معاوية رضى اللَّه عنه يدعوه إلى بيعته قال جرير بن عبد اللَّه: أنا أذهب إليه يا أمير المؤمنين فان بيني و بينه ودا، فآخذ لك منه البيعة،
فقال الأشتر: لا تبعثه يا أمير المؤمنين فانى أخشى أن يكون هواه معه. فقال على:
دعه،
و بعثه و كتب معه كتابا إلى معاوية يعلمه باجتماع المهاجرين و الأنصار على بيعته، و يخبره بما كان في وقعة الجمل، و يدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس. فلما انتهى إليه جرير بن عبد اللَّه أعطاه الكتاب فطلب معاوية عمرو بن العاص و رءوس أهل الشام فاستشارهم فأبوا أن يبايعوا حتى يقتل قتلة عثمان، أو أن يسلم إليهم قتلة عثمان، و إن لم يفعل قاتلوه و لم يبايعوه حتى يقتل قتلة عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه. فرجع جرير إلى على فأخبره بما قالوا، فقال الأشتر: يا أمير المؤمنين أ لم أنهك أن تبعث جريرا؟ فلو كنت بعثتني لما فتح معاوية بابا إلا أغلقته. فقال له جرير: لو كنت ثم لقتلوك بدم عثمان. فقال الأشتر: و اللَّه لو بعثني لم يعننى جواب معاوية و لأعجلنه عن الفكرة، و لو أطاعنى قبل لحبسك و أمثالك حتى يستقيم أمر هذه الأمة، فقام جرير مغضبا و أقام بقرقيسياء، و كتب إلى معاوية يخبره بما قال و ما قيل له، فكتب إليه معاوية يأمره بالقدوم عليه. و خرج أمير المؤمنين على بن أبى طالب من الكوفة عازما على الدخول إلى الشام فعسكر بالنخيلة و استخلف على الكوفة أبا مسعود عقبة ابن عامر البدري الأنصاري و كان قد أشار عليه جماعة بأن يقيم بالكوفة و يبعث الجنود و أشار آخرون أن يخرج فيهم بنفسه، و بلغ معاوية أن عليا قد خرج بنفسه فاستشار عمرو بن العاص فقال له: اخرج أنت أيضا بنفسك، و قام عمرو بن العاص في الناس فقال: إن صناديد أهل الكوفة و البصرة قد تفانوا يوم الجمل، و لم يبق مع على إلا شرذمة قليلة من الناس، ممن قتل، و قد قتل
[١] زيادة من نسخة طوپقبو بالآستانة.