البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٤ - ذكر مسير أمير المؤمنين على بن أبى طالب من المدينة إلى البصرة بدلا من مسيره إلى الشام
قد تفانى فيه الناس و لما سقط البعير إلى الأرض انهزم من حوله من الناس، و حمل هودج عائشة و انه لكالقنفذ من السهام، و نادى منادى على في الناس: إنه لا يتبع مدبر و لا يذفف على جريح، و لا يدخلوا الدور، و أمر على نفرا أن يحملوا الهودج من بين القتلى، و أمر محمد بن أبى بكر و عمارا أن يضربا عليها قبة، و جاء إليها أخوها محمد فسألها هل وصل إليك شيء من الجراح؟ فقالت: لا! و ما أنت ذاك يا ابن الخثعمية. و سلم عليها عمار فقال: كيف أنت يا أم؟ فقالت: لست لك بأم. قال:
بلى! و إن كرهت،
و جاء إليها على بن أبى طالب أمير المؤمنين مسلما فقال: كيف أنت يا أمه؟ قالت:
بخير فقال: يغفر اللَّه لك.
و جاء وجوه الناس من الأمراء و الأعيان يسلمون على أم المؤمنين رضى اللَّه عنها، و يقال إن أعين بن ضبيعة المجاشعي اطلع في الهودج فقالت: إليك لعنك اللَّه، فقال: و اللَّه ما أرى إلا حميراء، فقالت: هتك اللَّه سترك و قطع يدك و أبدى عورتك. فقتل بالبصرة و سلب و قطعت يده و رمى عريانا في خربة من خرابات الأزد. فلما كان الليل دخلت أم المؤمنين البصرة- و معها أخوها محمد بن أبى بكر- فنزلت في دار عبد اللَّه بن خلف الخزاعي- و هي أعظم دار بالبصرة- على صفية بنت الحارث بن أبى طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، و هي أم طلحة الطلحات عبد اللَّه بن خلف، و تسلل الجرحى من بين القتلى فدخلوا البصرة، و قد طاف على بين القتلى فجعل كلما مر برجل يعرفه ترحم عليه و يقول: يعز على أن أرى قريشا صرعى. و قد مر على ما ذكر على طلحة بن عبيد اللَّه و هو مقتول فقال: لهفي عليك يا أبا محمد،
إنا للَّه و إنا إليه راجعون
و اللَّه لقد كنت كما قال الشاعر:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه* * * إذا ما هو استغنى و يبعده الفقر
و أقام على بظاهر البصرة ثلاثا ثم صلى على القتلى من الفريقين، و خص قريشا بصلاة من بينهم، ثم جمع ما وجد لأصحاب عائشة في المعسكر و أمر به أن يحمل إلى مسجد البصرة، فمن عرف شيئا هو لأهلهم فليأخذه، إلا سلاحا كان في الخزائن عليه سمة السلطان. و كان مجموع من قتل يوم الجمل من الفريقين عشرة آلاف، خمسة من هؤلاء و خمسة من هؤلاء، (رحمهم اللَّه) و رضى عن الصحابة منهم.
و قد سأل بعض أصحاب على عليا أن يقسم فيهم أموال أصحاب طلحة و الزبير، فأبى عليهم فطعن فيه السبائية و قالوا: كيف يحل لنا دماؤهم و لا تحل لنا أموالهم؟ فبلغ ذلك عليا فقال: أيكم يحب أن تصير أم المؤمنين في سهمه؟ فسكت القوم، و لهذا لما دخل البصرة فض في أصحابه أموال بيت المال، فنال كل رجل منهم خمسمائة، و قال: لكم مثلها من الشام، فتكلم فيه السبائية أيضا و نالوا منه من وراء وراء.