البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٢ - ذكر مسير أمير المؤمنين على بن أبى طالب من المدينة إلى البصرة بدلا من مسيره إلى الشام
فلما تقدم كعب بن سوار بالمصحف يدعو إليه استقبله مقدمة جيش الكوفيين، و كان عبد اللَّه بن سبإ- و هو ابن السوداء- و أتباعه بين يدي الجيش، يقتلون من قدروا عليه من أهل البصرة، لا يتوقفون في أحد، فلما رأوا كعب بن سوار رافعا المصحف رشقوه بنبالهم رشقة رجل واحد فقتلوه، و وصلت النبال إلى هودج أم المؤمنين عائشة رضى اللَّه عنها، فجعلت تنادى: اللَّه اللَّه! يا بنى اذكروا يوم الحساب و رفعت يديها تدعو على أولئك النفر من قتلة عثمان،
فضج الناس معها بالدعاء حتى بلغت الضجة إلى على فقال: ما هذا؟ فقالوا: أم المؤمنين تدعو على قتله عثمان و أشياعهم. فقال: اللَّهمّ العن قتلة عثمان، و جعل أولئك النفر لا يقلعون عن رشق هودجها بالنبال حتى بقي مثل القنفذ، و جعلت تحرض الناس على منعهم و كفهم، فحملت معه الحفيظة فطردوهم حتى وصلت الحملة إلى الموضع الّذي فيه على بن أبى طالب، فقال لابنه محمد بن الحنفية: ويحك! تقدم بالراية، فلم يستطع، فأخذها على من يده فتقدم بها،
و جعلت الحرب تأخذ و تعطى، فتارة لأهل البصرة، و تارة لأهل الكوفة، و قتل خلق كثير، و جم غفير، و لم تر وقعة أكثر من قطع الأيدي و الأرجل فيها من هذه الوقعة، و جعلت عائشة تحرض الناس على أولئك النفر من قتلة عثمان، و نظرت عن يمينها فقالت: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: نحن بكر بن وائل، فقالت: لكم يقول القائل:
و جاءوا إلينا بالحديد كأنهم* * * من الغرة القعساء بكر بن وائل
ثم لجأ إليها بنو ناجية ثم بنو ضبة فقتل عنده منهم خلق كثير، و يقال إنه قطعت يد سبعين رجلا و هي آخذة بخطام الجمل فلما اثخنوا تقدم بنو عدي بن عبد مناف فقاتلوا قتالا شديدا، و رفعوا رأس الجمل، و جعل أولئك يقصدون الجمل و قالوا: لا يزال الحرب قائما ما دام هذا الجمل واقفا، و رأس الجمل في يد عمرة بن يثربى، و قيل أخوه عمرو بن يثربى ثم صمد عليه علباء بن الهيثم و كان من الشجعان المذكورين، فتقدم إليه عمرو الجملي فقتله ابن يثربى و قتل زيد بن صوحان، و ارتث صعصعة ابن صوحان فدعاه عمار إلى البراز فبرز له، فتجاولا بين الصفين- و عمار ابن تسعين سنة عليه فروة قد ربط وسطه بحبل ليف- فقال الناس: إنا للَّه و إنا إليه راجعون الآن يلحق عمارا بأصحابه، فضربه ابن يثربى بالسيف فاتقاه عمار بدرقته فغض فيها السيف و نشب، و ضربه عمار فقطع رجليه و أخذ أسيرا الى بين يدي على فقال: استبقني يا أمير المؤمنين، فقال: أبعد ثلاثة تقتلهم؟ ثم أمر به فقتل و استمر زمام الجمل بعده بيد رجل كان قد استنابه فيه من بنى عدي فبرز إليه ربيعة العقيلي فتجاولا حتى قتل كل واحد صاحبه و أخذ الزمام الحارث الضبيّ فما رأى أشد منه و جعل يقول:
نحن بنو ضبة أصحاب الجمل* * * نبارز القرن إذا القرن نزل
ننعى ابن عفان بأطراف الأسل* * * الموت أحلى عندنا من العسل