البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٩ - ابتداء وقعة الجمل
كان؟ قالوا: بلى، فرجع إلى على. و أما قيس بن سعد فاختلف عليه أهل مصر فبايع له الجمهور، و قالت طائفة: لا نبايع حتى نقتل قتلة عثمان، و كذلك أهل البصرة، و أما عمارة بن شهاب المبعوث أميرا على الكوفة فصده عنها طلحة بن خويلد غضبا لعثمان، فرجع إلى على فأخبره، و انتشرت الفتنة و تفاقم الأمر، و اختلفت الكلمة، و كتب أبو موسى إلى على بطاعة أهل الكوفة و مبايعتهم إلا القليل منهم، و بعث على إلى معاوية كتبا كثيرة فلم يرد عليه جوابها، و تكرر ذلك مرارا إلى الشهر الثالث من مقتل عثمان في صفر،
ثم بعث معاوية طومارا مع رجل فدخل به على على فقال:
ما وراءك؟ قال جئتك من عند قوم لا يريدون إلا القود كلهم موتور، تركت سبعين ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان، و هو على منبر دمشق، فقال على: اللَّهمّ إني أبرأ إليك من دم عثمان، ثم خرج رسول معاوية من بين يدي على فهمّ به أولئك الخوارج الذين قتلوا عثمان يريدون قتله، فما أفلت إلا بعد جهد.
و عزم على رضى اللَّه عنه على قتال أهل الشام، و كتب إلى قيس بن سعد بمصر يستنفر الناس لقتالهم، و إلى أبى موسى بالكوفة: و بعث إلى عثمان بن حنيف بذلك، و خطب الناس فحثهم على ذلك. و عزم على التجهز، و خرج من المدينة، و استخلف عليها قثم بن العباس، و هو عازم أن يقاتل بمن أطاعه من عصاه و خرج عن أمره و لم يبايعه مع الناس،
و جاء إليه ابنه الحسن بن على فقال: يا أبتي دع هذا فان فيه سفك دماء المسلمين، و وقوع الاختلاف بينهم،
فلم يقبل منه ذلك، بل صمم على القتال، و رتب الجيش، فدفع اللواء إلى محمد بن الحنفية، و جعل ابن العباس على الميمنة، و عمرو بن أبى سلمة على الميسرة، و قيل جعل على الميسرة عمرو بن سفيان بن عبد الأسد، و جعل على مقدمته أبا ليلى بن عمرو بن الجراح ابن أخى أبى عبيدة، و استخلف على المدينة قثم بن العباس و لم يبق شيء إلا أن يخرج من المدينة قاصدا إلى الشام، حتى جاءه ما شغله عن ذلك كله و هو ما سنورده.
ابتداء وقعة الجمل
لما وقع قتل عثمان بعد أيام التشريق، كان أزواج النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أمهات المؤمنين قد خرجن إلى الحج في هذا العام فرارا من الفتنة، فلما بلغ الناس أن عثمان قد قتل: أقمن بمكة بعد ما خرجوا منها، و رجعوا إليها و أقاموا بها و جعلوا ينتظرون ما يصنع الناس و يتجسسون الأخبار فلما بويع لعلى و صار حظ الناس عنده بحكم الحال و غلبة الرأى، لا عن اختيار منه لذلك رءوس أولئك الخوارج الذين قتلوا عثمان، مع أن عليا في نفس الأمر يكرههم، و لكنه تربص بهم الدوائر، و يود لو تمكن منهم ليأخذ حق اللَّه منهم، و لكن لما وقع الأمر هكذا و استحوذوا عليه، و حجبوا عنه علية الصحابة فرّ جماعة من بنى أمية و غيرهم إلى مكة، و استأذنه طلحة و الزبير في الاعتمار، فأذن لهما فخرجا إلى