البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٧ - فصل
إن تمس دار ابن أروى منه خاوية* * * باب صريع و باب محرق خرب
فقد يصادف باغي العرف حاجته* * * فيها و يأوى إليها المجد و الحسب
يا معشر الناس ابدوا ذات أنفسكم* * * لا يستوي الصدق عند اللَّه و الكذب
و قال الفرزدق
إن الخلافة لما أظعنت ظعنت* * * عن أهل يثرب إذ غير الهدى سلكوا
صارت إلى أهلها منهم و وارثها* * * لما رأى اللَّه في عثمان ما انتهكوا
السافكى دمه ظلما و معصية* * * أي دم لا هدوا من غيّتهم سفكوا] [١]
و قال راعى الإبل النميري في ذلك:
عشية يدخلون بغير إذن* * * على متوكل أوفى و طابا
خليل محمد و وزير صدق* * * و رابع خير من وطئ الترابا
فصل
إن قال قائل كيف وقع قتل عثمان رضى اللَّه عنه بالمدينة و فيها جماعة من كبار الصحابة رضى اللَّه عنهم؟ فجوابه من وجوه (أحدها) أن كثيرا منهم بل أكثرهم أو كلهم لم يكن يظن أنه يبلغ الأمر إلى قتله، فان أولئك الأحزاب لم يكونوا يحاولون قتله عينا، بل طلبوا منه أحد أمور ثلاثة إما أن يعزل نفسه، أو يسلم إليهم مروان بن الحكم، أو يقتلوه، فكانوا يرجون أن يسلم إلى الناس مروان، أو أن يعزل نفسه و يستريح من هذه الضائقة الشديدة. و أما القتل فما كان يظن أحد أنه يقع، و لا أن هؤلاء يجترءون عليه إلى ما هذا حده، حتى وقع ما وقع و اللَّه أعلم.- الثاني- أن الصحابة مانعوا دونه أشد الممانعة، و لكن لما وقع التضييق الشديد، عزم عثمان على الناس أن يكفوا أيديهم و يغمدوا أسلحتهم ففعلوا، فتمكن أولئك مما أرادوا، و مع هذا ما ظن أحد من الناس أنه يقتل بالكلية- الثالث- أن هؤلاء الخوارج لما اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة في أيام الحج، و لم تقدم الجيوش من الآفاق للنصرة، بل لما اقترب مجيئهم، انتهزوا فرصتهم، قبحهم اللَّه، و صنعوا ما صنعوا من الأمر العظيم- الرابع- أن هؤلاء الخوارج كانوا قريبا من ألفى مقاتل من الأبطال، و ربما لم يكن في أهل المدينة هذه العدة من المقاتلة، لأن الناس كانوا في الثغور و في الأقاليم في كل جهة، و مع هذا كان كثير من الصحابة اعتزل هذه الفتنة و لزموا بيوتهم، و من كان يحضر منهم المسجد لا يجيء إلا و معه السيف، يضعه على حبوته إذا احتبى، و الخوارج محدقون بدار عثمان رضى اللَّه عنه، و ربما
[١] زيادة من تاريخ البدر العيني نقلها في سياق عبارة ابن كثير.