البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٦ - ذكر حصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه
و لنحملك على الشارف ثم نطرحك في جبل الدخان. فقال عثمان: قبحك اللَّه و قبح ما جئت به، ثم نزل عثمان. قال ابن أبى حبيبة: و كان آخر يوم رأيته فيه* و قال الواقدي: حدثني أبو بكر بن إسماعيل عن أبيه عن عامر بن سعد. قال: كان أول من اجترأ على عثمان بالنطق السيّئ جبلة بن عمرو الساعدي مر به عثمان و هو في نادى قومه، و في يد جبلة جامعة، فلما مر عثمان سلم فرد القوم، فقال جبلة: لم تردون عليه؟ رجل قال كذا و كذا، ثم أقبل على عثمان فقال: و اللَّه لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه، فقال عثمان: أي بطانة؟ فو اللَّه لأتخير الناس، فقال مروان تخيرته، و معاوية تخيرته، و عبد اللَّه بن عامر بن كريز تخيرته، و عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح تخيرته، منهم من نزل القرآن بذمة، و أباح رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دمه، قال: فانصرف عثمان فما زال الناس مجترءين عليه إلى هذا اليوم. قال الواقدي: و حدثني محمد بن صالح عن عبيد اللَّه بن رافع بن نقاخة عن عثمان بن الشريد. قال: مر عثمان على جبلة بن عمرو الساعدي و هو بفناء داره، و معه جامعة، فقال: يا نعثل! و اللَّه لأقتلنك و لأحملنك على قلوص جرباء، و لأخرجنك إلى حرة النار. ثم جاءه مرة أخرى و عثمان على المنبر فأنزله عنه. و ذكر سيف بن عمر أن عثمان بعد أن صلى بالناس يوم الجمعة صعد المنبر فخطبهم أيضا فقال في خطبته: يا هؤلاء الغرباء! اللَّه اللَّه، فو اللَّه إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، فامحوا الخطأ بالصواب، فان اللَّه لا يمحو السيّئ إلا بالحسن، فقام محمد بن مسلمة فقال:
أنا أشهد بذلك، فأخذه حكيم بن جبلة فأقعده، فقام زيد بن ثابت فقال: إنه في الكتاب. فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبى مريرة، فأقعده و قال يا نطع، و ثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، و حصبوا عثمان حتى صرع من المنبر مغشيا عليه، فاحتمل و أدخل داره، و كان المصريون لا يطمعون في أحد من الناس أن يساعدهم إلا محمد بن أبى بكر، و محمد بن جعفر، و عمار ابن ياسر. و أقبل على و طلحة و الزبير إلى عثمان في أناس يعودونه و يشكون إليه بثهم و ما حل بالناس، ثم رجعوا إلى منازلهم، و استقبل جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة و ابن عمر، و زيد بن ثابت في المحاربة عن عثمان، فبعث إليهم يقسم عليهم لما كفوا أيديهم و سكنوا حتى يقضى اللَّه ما يشاء.
ذكر حصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه
لما وقع ما وقع يوم الجمعة، و شج أمير المؤمنين عثمان، و هو في رأس المنبر، و سقط مغشيا عليه، و احتمل إلى داره، و تفاقم الأمر، و طمع فيه أولئك الأجلاف الأخلاط من الناس، و ألجئوه إلى داره و ضيقوا عليه، و أحاطوا بها محاصرين له، و لزم كثير من الصحابة بيوتهم، و سار إليه جماعة من أبناء الصحابة، عن أمر آبائهم، منهم الحسن و الحسين، و عبد اللَّه بن الزبير- و كان أمير الدار- و عبد اللَّه ابن عمرو ابن العاص، و صاروا، يحاجون عنه، و يناضلون دونه أن يصل إليه أحد منهم، و أسلمه بعض الناس