البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٤ - ذكر مجيء الأحزاب الى عثمان المرة الثانية من مصر و غيرها في شوال من هذه السنة
رايات مع حكيم بن جبلة العبديّ، و بشر بن شريح بن ضبيعة القيسي، و ذريح بن عباد العبديّ، و عليهم كلهم حرقوص بن زهير السعدي، و أهل مصر مصرون على ولاية على بن أبى طالب، و أهل الكوفة عازمون على تأمير الزبير، و أهل البصرة مصممون على تولية طلحة، لا تشك كل فرقة أن أمرها سيتم، فسار كل طائفة من بلدهم حتى توافوا حول المدينة، كما تواعدوا في كتبهم، في شهر شوال فنزل طائفة منهم بذي خشب، و طائفة بالأعوص، و الجمهور بذي المروة، و هم على وجل من أهل المدينة، فبعثوا قصادا و عيونا بين أيديهم ليخبروا الناس أنهم إنما جاءوا للحج لا لغيره، و ليستعفوا هذا الوالي من بعض عماله، ما جئنا إلا لذلك، و استأذنوا للدخول، فكل الناس أبى دخولهم و نهى عنه، فتجاسروا و اقتربوا من المدينة، و جاءت طائفة من المصريين إلى على و هو في عسكر عند أحجار الزيت، عليه حلة أفواف، معتم بشقيقة حمراء يمانية، متقلدا السيف و ليس عليه قميص و قد أرسل ابنه الحسن الى عثمان فيمن اجتمع اليه فسلم عليه المصريون فصاح بهم و طردهم، و قال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة و ذي خشب ملعونون على لسان محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، فارجعوا لا صبحكم اللَّه، قالوا: نعم! و انصرفوا من عنده على ذلك، و أتى البصريون طلحة و هو في جماعة أخرى إلى جنب على- و قد أرسل ابنيه إلى عثمان- فسلموا عليه فصاح بهم و طردهم و قال لهم كما قال على لأهل مصر، و كذلك كان رد الزبير على أهل الكوفة. فرجع كل فريق منهم إلى قومهم، و أظهروا للناس أنهم راجعون إلى بلدانهم، و ساروا أياما راجعين، ثم كروا عائدين إلى المدينة، فما كان غير قليل حتى سمع أهل المدينة التكبير، و إذا القوم قد زحفوا على المدينة و أحاطوا بها، و جمهورهم عند دار عثمان بن عفان، و قالوا للناس: من كف يده فهو آمن، فكف الناس و لزموا بيوتهم، و أقام الناس على ذلك أياما. هذا كله و لا يدرى الناس ما القوم صانعون و لا على ما هم عازمون، و في كل ذلك و أمير المؤمنين عثمان بن عفان يخرج من داره فيصلي بالناس، فيصلي وراءه أهل المدينة و أولئك الآخرون، و ذهب الصحابة إلى هؤلاء يؤنبونهم و يعذلونهم على رجوعهم، حتى قال على لأهل مصر: ما ردكم بعد ذهابكم و رجوعكم عن رأيكم؟ فقالوا: وجدنا مع بريد كتابا بقتلنا إذا دخلنا مصر و كذلك قال البصريون لطلحة، و الكوفيون للزبير. و قال أهل كل مصر: إنما جئنا للنصر أصحابنا. فقال لهم الصحابة: كيف علمتم بذلك من أصحابكم، و قد افترقتم و صار بينكم مراحل؟ إنما هذا أمر اتفقتم عليه، فقالوا: ضعوه على ما أردتم، لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا و نحن نعتزله- يعنون أنه إن نزل عن الخلافة تركوه آمنا- و كان المصريون فيما ذكر، لما رجعوا إلى بلادهم وجدوا في الطريق بريدا يسير، فأخذوه ففتشوه، فإذا معه في إداوة كتابا على لسان عثمان فيه الأمر بقتل طائفة منهم، و بصلب آخرين، و بقطع أيدي آخرين منهم و أرجلهم، و كان على الكتاب طابع بخاتم عثمان، و البريد أحد غلمان عثمان و على جمله، فلما رجعوا جاءوا بالكتاب