البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٠ - خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه ثم استهلت سنة أربع و عشرين
الكوفة نحو أذربيجان و أرمينية، حين نقضوا العهد فوطئ بلادهم و أغار بأراضى تلك الناحية فغنم و سبى و أخذ أموالا جزيلة فلما أيقنوا بالهلكة صالحهم أهلها على ما كانوا صالحوا عليه حذيفة بن اليمان ثمانمائة ألف درهم في كل سنة فقبض منهم جزية سنة ثم رجع سالما غانما الى الكوفة، فمر بالموصل.
و جاءه كتاب عثمان و هو بها يأمره أن يمد أهل الشام على حرب أهل الروم. قال ابن جرير: و في هذه السنة جاشت الروم حتى خاف أهل الشام و بعثوا إلى عثمان رضى اللَّه عنه يستمدونه فكتب إلى الوليد بن عقبة: أن إذا جاءك كتابي هذا فابعث رجلا أمينا كريما شجاعا في ثمانية آلاف أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف إلى إخوانكم بالشام. فقام الوليد بن عقبة في الناس خطيبا حين وصل إليه كتاب عثمان فأخبرهم بما أمره به أمير المؤمنين و ندب الناس و حثهم على الجهاد و معاونة معاوية و أهل الشام، و أمرّ سلمان بن ربيعة على الناس الذين يخرجون إلى الشام فانتدب في ثلاثة أيام ثمانية آلاف فبعثهم إلى الشام و على جند المسلمين حبيب بن مسلم الفهري، فلما اجتمع الجيشان شنوا الغارات على بلاد الروم فغنموا و سبوا شيئا كثيرا و فتحوا حصونا كثيرة و للَّه الحمد.
و زعم الواقدي أن الّذي أمد أهل الشام بسلمان بن ربيعة إنما هو سعيد بن العاص عن كتاب عثمان رضى اللَّه عنه فبعث سعيد بن العاص سلمان بن ربيعة بستة آلاف فارس حتى انتهى إلى حبيب ابن مسلمة و قد أقبل إليه الموريان الرومي في ثمانين ألفا من الروم و الترك، و كان حبيب بن مسلمة شجاعا شهما فعزم على أن يبيت جيش الروم فسمعته امرأته يقول للأمراء ذلك فقالت له: فأين موعدي معك- تعنى أين أجتمع بك غدا- فقال لها: موعدك سرادق الموريان أو الجنة، ثم نهض إليهم في ذلك الليل بمن معه من المسلمين فقتل من أشرف له و سبقته امرأته إلى سرادق الموريان فكانت أول امرأة من العرب ضرب عليها سرادق و قد مات عنها حبيب بن مسلمة بعد ذلك، فخلف عليها بعده الضحاك بن قياس الفهري، فهي أم ولده. قال ابن جرير: و اختلف فيمن حج بالناس في هذه السنة فقال الواقدي و أبو معشر: حج بهم عبد الرحمن بن عوف بأمر عثمان. و قال آخرون: حج بالناس عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه. و الأول هو الأشهر فان عثمان لم يتمكن من الحج في هذه السنة لأجل رعاف أصابه مع الناس في هذه السنة حتى خشي عليه و كان يقال لهذه السنة سنة الرعاف، و فيها افتتح أبو موسى الأشعري الري بعد ما نقضوا العهد الّذي كان واثقهم عليه حذيفة ابن اليمان رضى اللَّه عنه، و فيها توفى سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي و يكنى بأبي سفيان، كان ينزل قديدا و هو الّذي اتبع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أبا بكر و عامر بن فهيرة و عبد اللَّه بن أريقط الديليّ حين خرجوا من غار ثور قاصدين المدينة فأراد أن يردهم على أهل مكة لما جعلوا في كل واحد من النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أبى بكر مائة مائة من الإبل، فطمع أن يفوز بهذا الجعل فلم يسلطه اللَّه عليهم، بل