البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٨ - خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه ثم استهلت سنة أربع و عشرين
فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد أتيتم صبّحتم أو مسيتم، ألا و إن الدنيا طويت على الغرور فلا تغرنكم الحياة الدنيا و لا يغرنكم باللَّه الغرور، و اعتبروا بمن مضى ثم جدوا و لا تغفلوا.
أين أبناء الدنيا و إخوانها الذين آثاروها و عمروها و متعوا بها طويلا؟ أ لم تلفظهم؟ ارموا بالدنيا حيث رمى اللَّه بها، و اطلبوا الآخرة فان اللَّه قد ضرب لها مثلا، بالذي هو خير فقال تعالى (و اضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح و كان اللَّه على كل شيء مقتدرا، المال و البنون زينة الحياة الدنيا و الباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا و خير أملا) قال: و أقبل الناس يبايعونه.
قلت و هذه الخطبة: إما بعد صلاة العصر يومئذ، أو قبل الزوال [و عبد الرحمن بن عوف جالس في رأس المنبر] [١] و هو الأشبه و اللَّه أعلم. و ما يذكره بعض الناس من أن [عثمان لما خطب أول خطبة ارتج عليه فلم يدر ما يقول حتى قال: أيها الناس، إن] [١] أول مركب صعب، و إن أعش فستأتيكم الخطبة على وجهها، فهو شيء يذكره صاحب العقد و غيره، ممن يذكر طرف الفوائد، و لكن لم أر هذا باسناد تسكن النفس إليه و اللَّه أعلم.
و أما قول الشعبي إنه زاد الناس مائة مائة- يعنى في عطاء كل واحد من جند المسلمين- زاده على ما فرض له عمر مائة درهم من بيت المال و كان عمر قد جعل لكل نفس من المسلمين في كل ليلة من رمضان درهما من بيت المال يفطر عليه، و لأمهات المؤمنين درهمين درهمين، فلما ولى عثمان أقر ذلك و زاده، و اتخذ سماطا في المسجد أيضا للمتعبدين، و المعتكفين، و أبناء السبيل، و الفقراء، و المساكين، رضى اللَّه عنه. و قد كان أبو بكر إذا خطب يقوم على الدرجة التي تحت الدرجة التي كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقف عليها، فلما ولى عمر نزل درجة أخرى عن درجة أبى بكر رضى اللَّه عنهما، فلما ولى عثمان قال إن هذا يطول، فصعد إلى الدرجة التي كان يخطب عليها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و زاد الأذان الأول يوم الجمعة، قبل الأذان الّذي كان يؤذن به بين يدي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا جلس على المنبر، و أما أول حكومة حكم فيها فقضية عبيد اللَّه بن عمر، و ذلك أنه غدا على ابنة أبى لؤلؤة قاتل عمر فقتلها، و ضرب رجلا نصرانيا يقال له جفينة بالسيف فقتله و ضرب الهرمزان الّذي كان صاحب تستر فقتله، و كان قد قيل إنهما مالئا أبا لؤلؤة على قتل عمر فاللَّه أعلم.
و قد كان عمر قد أمر بسجنه ليحكم فيه الخليفة من بعده، فلما ولى عثمان و جلس للناس كان أول ما تحوكم إليه في شأن عبيد اللَّه، فقال على: ما من العدل تركه، و أمر بقتله، و قال بعض المهاجرين:
أ يقتل أبوه بالأمس و يقتل هو اليوم؟ فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين قد برأك اللَّه من ذلك،
[١] زيادة من المصرية.