البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٢ - غزوة الأكراد
يا سارية بن زنيم الجبل، يا سارية بن زنيم الجبل، ظلم من استرعى الذئب الغنم، فعلوت بأصحابي الجبل، و نحن قبل ذلك في بطن واد، و نحن محاصرو العدو ففتح اللَّه علينا. فقيل لعمر بن الخطاب ما ذلك الكلام؟ فقال: و اللَّه ما ألقيت له إلا بشيء ألقى على لساني. فهذه طرق يشد بعضها بعضا.
ثم ذكر ابن جرير من طريق سيف عن شيوخه فتح كرمان على يدي سهيل بن عدي و أمده عبد اللَّه ابن عبد اللَّه بن عتبان، و قيل على يدي عبد اللَّه بن بديل بن ورقاء الخزاعي، و ذكر فتح سجستان على يدي عاصم بن عمرو، بعد قتال شديد، و كانت ثغورها متسعة، و بلادها متنائية، ما بين السند إلى نهر بلخ، و كانوا يقاتلون القندهار و الترك من ثغورها و فروجها. و ذكر فتح مكران على يدي الحكم بن عمرو، و أمده بشهاب بن المخارق بن شهاب، و سهيل بن عدي، و عبد اللَّه بن عبد اللَّه، و اقتتلوا مع ملك السند فهزم اللَّه جموع السند، و غنم المسلمون منهم غنيمة كثيرة، و كتب الحكم ابن عمرو بالفتح و بعث بالأخماس مع صحار العبديّ، فلما قدم على عمر سأله عن أرض مكران فقال:
يا أمير المؤمنين أرض سهلها جبل، و ماؤها و شل، و ثمرها دقل، و عدوها بطل، و خيرها قليل، و شرها طويل، و الكثير بها قليل، و القليل بها ضائع، و ما وراءها شر [١] منها. فقال عمر:
أ سجّاع أنت أم مخبر؟ فقال: لا، بل مخبر، فكتب عمر إلى الحكم بن عمرو أن لا يغزو بعد ذلك مكران، و ليقتصروا على ما دون النهر. و قد قال الحكم بن عمرو في ذلك:
لقد شبع الأرامل غير فخر* * * بفيء جاءهم من مكران
أتاهم بعد مسغبة و جهد* * * و قد صفر الشتاء من الدّخان
فانى لا يذم الجيش فعلى* * * و لا سيفي يذم و لا لساني
غداة أدافع الأوباش دفعا* * * إلى السند العريضة و المدانى
و مهران لنا فيما أردنا* * * مطيع غير مسترخى العنان
فلو لا ما نهى عنه أميرى* * * قطعناه إلى البدد الزواني
غزوة الأكراد
ثم ذكر ابن جرير بسنده عن سيف عن شيوخه: أن جماعة من الأكراد و التف إليهم طائفة من الفرس اجتمعوا فلقيهم أبو موسى بمكان من أرض بيروذ قريب من نهر تيري، ثم سار عنهم أبو موسى إلى أصبهان و قد استخلف على حربهم الربيع بن زياد بعد مقتل أخيه المهاجر بن زياد، فتسلم الحرب و حنق عليهم، فهزم اللَّه العدو و له الحمد و المنة، كما هي عادته المستمرة و سنته المستقرة، في عباده المؤمنين، و حزبه المفلحين، من أتباع سيد المرسلين. ثم خمست الغنيمة و بعث بالفتح و الخمس
[١] في المصرية خير منها.