البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣١ - فتح فسا و داربجرد و قصة سارية بن زنيم
فأظفرهم اللَّه بهم، و فتحوا البلد. و غنموا شيئا كثيرا، فكان من جملة ذلك سفط من جوهر فاستوهبه سارية من المسلمين لعمر، فلما وصل إليه مع الأخماس قدم الرسول بالخمس فوجد عمر قائما في يده عصا و هو يطعم المسلمين سماطهم، فلما رآه عمر قال له: اجلس- و لم يعرفه-، فجلس الرجل فأكل مع الناس، فلما فرغوا انطلق عمر إلى منزله و اتبعه الرجل، فاستأذن فأذن له و إذا هو قد وضع له خبز و زيت و ملح، فقال: ادن فكل. قال: فجلست فجعل يقول لامرأته: ألا تخرجين يا هذه فتأكلين؟
فقالت: إني أسمع حس رجل عندك. فقال: أجل، فقالت: لو أردت أن أبرز للرجال اشتريت لي غير هذه الكسوة. فقال: أو ما ترضين أن يقال أم كلثوم بنت على و امرأة عمر. فقالت: ما أقل غناء ذلك عنى. ثم قال للرجل: ادن فكل فلو كانت راضية لكان أطيب مما ترى. فأكلا فلما فرغا قال:
أنا رسول سارية بن زنيم يا أمير المؤمنين. فقال: مرحبا و أهلا. ثم أدناه حتى مست ركبته ركبته، ثم سأله عن المسلمين، ثم سأله عن سارية بن زنيم، فأخبره ثم ذكر له شأن السفط من الجوهر فأبى أن يقبله و أمر برده إلى الجند. و قد سأل أهل المدينة رسول سارية عن الفتح فأخبرهم، فسألوه: هل سمعوا صوتا يوم الوقعة؟ قال: نعم، سمعنا قائلا يقول: يا سارية الجبل، و قد كدنا نهلك فلجأنا إليه ففتح اللَّه علينا.
ثم رواه سيف عن مجالد عن الشعبي بنحو هذا. و قال عبد اللَّه بن وهب عن يحيى بن أيوب عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر أن عمر وجه جيشا و رأس عليهم رجلا يقال له سارية، قال: فبينما عمر يخطب فجعل ينادى: يا ساري الجبل يا ساري الجبل ثلاثا. ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر: فقال:
يا أمير المؤمنين هزمنا فبينما نحن كذلك إذ سمعنا مناديا يا سارية الجبل ثلاثا فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم اللَّه. قال: فقيل لعمر: إنك كنت تصيح بذلك. و هذا إسناد جيد حسن.
و قال الواقدي: حدثني نافع بن أبى نعيم عن نافع مولى ابن عمر. أن عمر قال على المنبر: يا سارية ابن زنيم الجبل. فلم يدر الناس ما يقول حتى قدم سارية بن زنيم المدينة على عمر، فقال: يا أمير المؤمنين كنا محاصري العدو فكنا نقيم الأيام لا يخرج علينا منهم أحد، نحن في خفض من الأرض و هم في حصن عال، فسمعت صائحا ينادى بكذا و كذا يا سارية بن زنيم الجبل، فعلوت بأصحابي الجبل، فما كان إلا ساعة حتى فتح اللَّه علينا. و قد رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر بنحوه، و في صحته من حديث مالك نظر. و قال الواقدي: حدثني أسامة بن زيد عن أسلم عن أبيه. و أبو سليمان عن يعقوب بن زيد قالا: خرج عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه يوم الجمعة إلى الصلاة فصعد المنبر ثم صاح: يا سارية بن زنيم الجبل، يا سارية بن زنيم الجبل، ظلم من استرعى الذئب الغنم. ثم خطب حتى فرغ، فجاء كتاب سارية إلى عمر: إن اللَّه قد فتح علينا يوم الجمعة ساعة كذا و كذا- لتلك الساعة التي خرج فيها عمر فتكلم على المنبر- قال: سارية فسمعت صوتا