البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٠ - فتح فسا و داربجرد و قصة سارية بن زنيم
طرابلس المغرب، و يقال في السنة التي بعدها. قلت: و في هذا كله غرابة لنسبته إلى ما سلف و اللَّه أعلم. قال شيخنا: و فيها توفى أبى بن كعب في قول الواقدي و ابن نمير و الذهلي و الترمذي، و قد تقدم في سنة تسع عشرة. و معضد بن يزيد الشيباني استشهد بأذربيجان و لا صحبة له.
ثم دخلت سنة ثلاث و عشرين
و فيها وفاة عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه
قال الواقدي و أبو معشر: فيها كان فتح إصطخر و همذان. و قال سيف: كان فتحها بعد فتح توّج الآخرة. ثم ذكر أن الّذي افتتح توّج مجاشع بن مسعود، بعد ما قتل من الفرس مقتلة عظيمة و غنم منهم غنائم جمة، ثم ضرب الجزية على أهلها، و عقد لهم الذمة، ثم بعث بالفتح و خمس الغنائم إلى عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه. ثم ذكر أن عثمان بن أبى العاص افتتح جور بعد قتال شديد كان عندها، ثم افتتح المسلمون إصطخر- و هذه المرة الثانية-، و كان أهلها قد نقضوا العهد بعد ما كان جند العلاء بن الحضرميّ افتتحوها حين جاز في البحر- من أرض البحرين- و التقوا هم و الفرس في مكان يقال له طاوس، كما تقدم بسط ذلك في موضعه. ثم صالحه الهر بد على الجزية، و أن يضرب لهم الذمة. ثم بعث بالأخماس و البشارة إلى عمر. قال ابن جرير: و كانت الرسل لها جوائز، و تقضى لهم حوائج، كما كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يعاملهم بذلك. ثم إن شهرك خلع العهد، و نقض الذمة، و نشط الفرس، فنقضوا، فبعث إليهم عثمان بن أبى العاص ابنه و أخاه الحكم، فاقتتلوا مع الفرس فهزم اللَّه جيوش المشركين، و قتل الحكم بن أبى العاص شهرك، و قتل ابنه معه أيضا. و قال أبو معشر: كانت فارس الأولى و إصطخر الآخرة سنة ثمان و عشرين في إمارة عثمان، و كانت فارس الآخرة و وقعة جور في سنة تسع و عشرين.
فتح فسا و داربجرد و قصة سارية بن زنيم
ذكر سيف عن مشايخه أن سارية بن زنيم قصد فسا و داربجرد، فاجتمع له جموع- من الفرس و الأكراد- عظيمة، و دهم المسلمين منهم أمر عظيم و جمع كثير، فرأى عمر في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم و عددهم في وقت من النهار، و أنهم في صحراء و هناك جبل إن أسندوا إليه لم يؤتوا إلا من وجه واحد، فنادى من الغد الصلاة جامعة، حتى إذا كانت الساعة التي رأى أنهم اجتمعوا فيها، خرج إلى الناس و صعد المنبر، فخطب الناس و أخبرهم بصفة ما رأى، ثم قال: يا سارية الجبل الجبل، ثم أقبل عليهم و قال: إن للَّه جنودا و لعل بعضها أن يبلغهم. قال: ففعلوا ما قال عمر، فنصرهم اللَّه على عدوهم، و فتحوا البلد. و ذكر سيف في رواية أخرى عن شيوخه أن عمر بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ قال:
يا سارية بن زنيم الجبل الجبل. فلجأ المسلمون إلى جبل هناك فلم يقدر العدو عليهم إلا من جهة واحدة