البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٩ - غزو المسلمين بلاد خراسان مع الأحنف بن قيس
فقالوا: إنا نرى أن نصانع هؤلاء القوم فان لهم ذمة و دينا يرجعون إليه، فنكون في بعض هذه البلاد و هم مجاورينا، فهم خير لنا من غيرهم. فأبى عليهم كسرى ذلك. ثم بعث إلى ملك الصين يستغيث به و يستنجده فجعل ملك الصين يسأل الرسول عن صفة هؤلاء القوم الذين قد فتحوا البلاد و قهروا رقاب العباد، فجعل يخبره عن صفتهم، و كيف يركبون الخيل و الإبل، و ما ذا يصنعون؟ و كيف يصلون. فكتب معه إلى يزدجرد: إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجيش أوله بمرو و آخره بالصين الجهالة بما يحق على، و لكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك [صفتهم لو يحاولون الجبال لهدوها، و لو جئت لنصرك أزالونى ما داموا على ما وصف لي رسولك] [١] فسالمهم و ارض منهم بالمسالمة. فأقام كسرى و آل كسرى في بعض البلاد مقهورين. و لم يزل ذلك دأبه حتى قتل بعد سنتين من إمارة عثمان كما سنورده في موضعه. و لما بعث الأحنف بكتاب الفتح و ما أفاء اللَّه عليهم من أموال الترك و من كان معهم، و أنهم قتلوا منهم مع ذلك مقتلة عظيمة، ثم ردهم اللَّه بغيظهم لم ينالوا خيرا. فقام عمر على المنبر و قرئ الكتاب بين يديه، ثم قال عمر: إن اللَّه بعث محمدا بالهدى [و وعد على اتباعه من عاجل الثواب و آجله خير الدنيا و الآخرة، فقال: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى] [٢] وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ فالحمد للَّه الّذي أنجز وعده، و نصر جنده. ألا و إن اللَّه قد أهلك ملك المجوسية و فرق شملهم، فليسوا يملكون من بلادهم شبرا يضير بمسلم، ألا و إن اللَّه قد أورثكم أرضهم و ديارهم و أموالهم و أبناءهم لينظر كيف تعملون، فقوموا في أمره على وجل، يوف لكم بعهده، و يؤتكم وعده، و لا تغيروا يستبدل قوما غيركم، فانى لا أخاف على هذه الأمة أن تؤتى إلا من قبلكم.
و قال شيخنا أبو عبد اللَّه الذهبي الحافظ في تاريخ هذه السنة- أعنى سنة ثنتين و عشرين-:
و فيها فتحت أذربيجان على يدي المغيرة بن شعبة. قاله ابن إسحاق: فيقال، إنه صالحهم على ثمانمائة ألف درهم. و قال أبو عبيدة: فتحها حبيب بن سلمة الفهري بأهل الشام عنوة، و معه أهل الكوفة فيهم حذيفة فافتتحها بعد قتال شديد و اللَّه أعلم. و فيها افتتح حذيفة الدينور عنوة- بعد ما كان سعد افتتحها فانتقضوا عهدهم-. و فيها افتتح حذيفة ماه سندان عنوة- و كانوا نقضوا أيضا عهد سعد- و كان مع حذيفة أهل البصرة فلحقهم أهل الكوفة فاختصموا في الغنيمة، فكتب عمر: إن الغنيمة لمن شهد الوقعة. قال: أبو عبيدة ثم غزا حذيفة همذان فافتتحها عنوة، و لم تكن فتحت قبل ذلك، و إليها انتهى فتوح حذيفة. قال: و يقال افتتحها جرير بن عبد اللَّه بأمر المغيرة و يقال: افتتحها المغيرة سنة أربع و عشرين. و فيها افتتحت جرجان. قال خليفة: و فيها افتتح عمرو بن العاص
[ (١، ٢)] سقط من الحلبية.