البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٠ - قصة نيل مصر
غنية عن اللَّه فقيرة إلى الناس. فهي لا يزال ساقطا بناؤها فشوهت بذلك.
و ذكر سيف أن عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح لما ولى مصر بعد ذلك زاد في الخراج عليهم رءوسا من الرقيق يهدونها إلى المسلمين في كل سنة، و يعوضهم المسلمون بطعام مسمى و كسوة. و أقر ذلك عثمان بن عفان و ولاة الأمور بعده، حتى كان عمر بن عبد العزيز فأمضاه أيضا نظرا لهم، و إبقاء لعهدهم. قلت: و إنما سميت ديار مصر بالفسطاط نسبة إلى فسطاط عمرو بن العاص، و ذلك أنه نصب خيمته و هي الفسطاط موضع مصر اليوم، و بنى الناس حوله، و تركت مصر القديمة من زمان عمرو بن العاص و إلى اليوم، ثم رفع الفسطاط و بنى موضعه جامعا و هو المنسوب إليه اليوم. و قد غزا المسلمون بعد فتح مصر النوبة فنالهم جراحات كثيرة، و أصيبت أعين كثيرة، لجودة رمى النوبة فسموهم جند الحدق. ثم فتحها اللَّه بعد ذلك و له الحمد و المنة. و قد اختلف في بلاد مصر فقيل:
فتحت صلحا إلا الاسكندرية، و هو قول يزيد بن أبى حبيب، و قيل: كلها عنوة و هو قول ابن عمر و جماعة. و عن عمرو بن العاص أنه خطب الناس فقال: ما قعدت مقعدي هذا و لا حد من القبط عندي عهد إن شئت- قلت، و إن شئت بعت و إن شئت خمست إلا لأهل الطابلس فان لهم عهدا نوفى به.
قصة نيل مصر
روينا من طريق ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عمن حدثه قال: لما افتتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص- حين دخل بؤنة من أشهر العجم- فقالوا: أيها الأمير، لنيلنا هذا سنة لا يجرى إلا بها. قال: و ما ذاك؟ قالوا: إذا كانت اثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر من أبويها، فأرضينا أبويها و جعلنا عليها من الحلي و الثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل. فقال لهم عمرو: إن هذا مما لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما قبله. قال: فأقاموا بؤنة و أبيب و مسرى و النيل لا يجرى قليلا و لا كثيرا، حتى هموا بالجلاء، فكتب عمرو إلى عمر ابن الخطاب بذلك، فكتب إليه: إنك قد أصبت بالذي فعلت، و إني قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي، فألقها في النيل. فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة فإذا فيها «من عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد، فإن كنت إنما تجرى من قبلك و من أمرك فلا تجر فلا حاجة لنا فيك، و إن كنت إنما تجرى بأمر اللَّه الواحد القهار، و هو الّذي يجريك فنسأل اللَّه تعالى أن يجريك» قال: فألقى البطاقة في النيل فأصبحوا يوم السبت و قد أجرى اللَّه النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة و قطع اللَّه تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم.
قال سيف بن عمر: و في ذي القعدة من هذه السنة- و هي عنده سنة ست عشرة- جعل عمرو المسالح على أرجاء مصر، و ذلك لأن هرقل أغزا الشام و مصر في البحر. قال ابن جرير: و في هذه