مصباح الأصول( مباحث حجج و امارات- مكتبة الداوري) - الواعظ الحسيني، السيد محمد؛ تقرير بحث السيد أبو القاسم الخوئي - الصفحة ٩٨ - (الجهة الثانية) - في إمكان التعبد بالظن
الإيصال إلى الواقع، فالصحيح في الجواب عن الإشكال المذكور ان يقال: ان إلزام المكلفين بتحصيل العلم و ان فرض انفتاح بابه حرج على نوع المكلفين، و مناف لكون الشريعة المقدسة سهلة سمحة، فلو قدم الشارع الحكيم مصلحة التسهيل على النوع على مصلحة الواقع الفائتة عند مخالفة الأمارة للواقع لا يتصور فيه قبح، و كم للشارع أحكام مجعولة لغرض التسهيل على النوع مع اقتضاء المصلحة الواقعية خلافها، كالحكم بطهارة الحديد، و مقتضى الروايات الدالة على ان في الحديد بأساً شديداً هو الحكم بنجاسته، إلا أن اللَّه سبحانه و تعالى حكم بطهارته تسهيلا على العباد، لتوقف كثير من أمور معاشهم على استعمال الحديد فكان الحكم بنجاسته موجباً للعسر و الحرج على المكلفين. فتحصل أن تفويت المصلحة الواقعية أو الإلقاء في المفسدة أحياناً لا يوجب امتناع التعبد بالأمارة إذا كان فيه مصلحة نوعية.
هذا مضافاً إلى ان غالب الأمارات بل جميعها طرق عقلائية لا تأسيسية من قبل الشارع، و من الواضح ان ردع العقلاء عما استقر بناؤهم عليه في أمور معاشهم يحتاج إلى مصلحة ملزمة، كما إذا كان الطريق غالب المخالفة للواقع، كالقياس، و لذا ورد النهي عن العمل به، و أما لو لم تكن مصلحة ملزمة في الردع كما إذا كانت مخالفة الأمارة للواقع قليلة في جنب مصلحة التسهيل، فلا وجه للردع أصلا. على ان الالتزام بامتناع التعبد بالأمارة في فرض انفتاح باب العلم مما لا يترتب عليه أثر عملي، إذ الانفتاح مجرد فرض لا واقع له، حتى في زمان حضور المعصوم عليه السلام فان العلم بالواقع في جميع الأحكام- و لا سيما في الشبهات الموضوعية- ممتنع عادة حتى لأصحاب الإمام عليه السلام، إذ لا يمكن الرجوع إلى نفس المعصوم في كل مسألة و كل شبهة حكمية و موضوعية في كل وقت و ساعة كما هو واضح. فتحصل انه لا مانع من التعبد بالأمارة من ناحية الملاك.