مصباح الأصول( مباحث حجج و امارات- مكتبة الداوري) - الواعظ الحسيني، السيد محمد؛ تقرير بحث السيد أبو القاسم الخوئي - الصفحة ٥٤٩ - (التنبيه الخامس)
كيف يشاء بداع من الدواعي العقلائية ما لم يبلغ حد الإسراف و التبذير، و لا بنفسه بأن يتحمل ما يضر ببدنه فيما إذا كان له غرض عقلائي، بل جرت عليه سيرة العقلاء، فانهم يسافرون للتجارة مع تضررهم من الحرارة و البرودة، بمقدار لو كان الحكم الشرعي موجبا لهذا المقدار من الضرر لكان الحكم المذكور مرفوعا بقاعدة لا ضرر. و كذا النقل لم يدل على حرمة الإضرار بالنفس، فان أقصى ما يمكن أن يستدل به لحرمة الإضرار بالنفس روايات نتكلم فيها:
(منها)- الروايات الدالة على نفى الضرر و الضرار. و قد عرفت الحال فيها، فان الفقرة الأولى منها لا تدل على حرمة الإضرار بالغير، فضلا عن الإضرار بالنفس، بل هي ناظرة إلى نفى الأحكام الضررية في عالم التشريع.
و الفقرة الثانية منها تدل على حرمة الإضرار بالغير بالأولوية على ما عرفت وجهها و لا يدل على حرمة الإضرار بالنفس بوجه كما تقدم.
و (منها)- ما رواه الكليني (ره) في الكافي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في حديث طويل من قوله عليه السلام: (ان اللَّه تعالى لم يحرم ذلك على عباده و أحل لهم ما سواه رغبة منه فيما حرم عليهم و لا زهدا فيما أحل لهم، و لكن خلق الخلق فعلم ما تقوم به أبدانهم و ما يصلحهم، فأحله لهم و أباحه تفضلا عليهم به لمصلحتهم، و علم ما يضرهم فنهاهم عنه و حرمه عليهم- إلى أن قال عليه السلام- اما الميتة فانه لا يد منها أحد إلا ضعف بدنه و نحف جسمه و ذهبت قوته).
فربما يستدل بها لحرمة الإضرار بالنفس، لكون الظاهر منها أن علة حرمة المحرمات هي إضرارها، فالحرمة تدور مداره، و لكن التأمل فيها يشهد بعدم دلالتها على حرمة الإضرار بالنفس، فان المستفاد منها ان الحكمة في تحريم جملة من الأشياء كونها مضرة بنوعها، لا ان الضرر موضوع للتحريم. و الّذي