مصباح الأصول( مباحث حجج و امارات- مكتبة الداوري) - الواعظ الحسيني، السيد محمد؛ تقرير بحث السيد أبو القاسم الخوئي - الصفحة ١٠٨ - (الجهة الثانية) - في إمكان التعبد بالظن
و أما ما ذكره أخيراً من إمكان ان لا يكون للحكم الواقعي إطلاق بالنسبة إلى حال تحير المكلف، ففيه ما ذكرناه مراراً من أن الإهمال في مقام الثبوت غير متصور، فلا محالة يكون الحكم الواقعي إما مطلقاً بالنسبة إلى حال تحير المكلف و كونه شاكاً، و اما مقيداً بعدمه، و اعترف هو (ره) أيضاً بذلك، غاية الأمر ان الإطلاق أو التقييد يكون على مسلكنا لحاظياً، و على مسلكه يكون بنتيجة الإطلاق أو بنتيجة التقييد بمتمم الجعل، على ما تقدم بيانه في بحث التعبدي و التوصلي و في بحث المطلق و المقيد، فان كان الحكم الواقعي مطلقاً بالنسبة إلى حال الشك، لزم التضاد، و ان كان مقيداً بعدمه لزم التصويب، من غير فرق بين أن يكون المأخوذ في موضوع الأحكام الظاهرية هو الشك بما أنه صفة خاصة، أو بما انه موجب للتحير.
هذا و التحقيق في دفع الإشكال ان يقال: ان الأحكام الشرعية لا مضادة بينها في أنفسها، إذ الحكم ليس إلا الاعتبار، أي اعتبار شيء في ذمة المكلف من الفعل أو الترك، كاعتبار الدين في ذمة المديون عرفاً و شرعاً، و لذا عبر في بعض الاخبار عن وجوب قضاء الصلوات الفائتة بالدين، كما في قوله عليه السلام (ان دين اللَّه أحق ان يقضى) و من الواضح عدم التنافي بين الأمور الاعتبارية، و كذا لا تنافي بين إبرازها بالألفاظ، بان يقول المولى افعل كذا أو لا تفعل كذا كما هو ظاهر، انما التنافي بينها في موردين: المبدأ و المنتهى. و المراد بالمبدإ ما يعبر عنه بعلة الحكم مسامحة من المصلحة و المفسدة، كما عليه الإمامية و المعتزلة، أو الشوق و الكراهة كما عليه الأشاعرة المنكرين لتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد و المراد من المنتهى مقام الامتثال. أما التنافي من حيث المبدأ فلأنه يلزم من اجتماع الحكمين- كالوجوب و الحرمة مثلا- اجتماع المصلحة و المفسدة في المتعلق بلا كسر و انكسار، و هو من اجتماع الضدين، و لا إشكال في استحالته