الحبل المتين في إحكام أحكام الدين - الشیخ البهائي - الصفحة ١٧٨ - الفصل الثاني في كيفية غسل الجنابة، و وجوب الترتيب فيه و عدم وجوب الموالاة بشيء من المعنيين المذكورين في الوضوء
و قوله ٧ في الحديث الثّاني: «و تبول إن قدرت على البول» ربّما استفيد منه وجوب البول على القادر عليه، و هو مذهب جمّ غفير من أصحابنا رضوان اللّه عليهم[١].
و الحقّ أنّه لا دلالة فيه على وجوبه، و إنّما يدلّ على رجحانه؛ إذ الظّاهر جريان الجملتين الخبريّتين على وتيرة واحدة، مع أنّ دلالة الجملة الخبريّة على الوجوب محلّ توقّف.
فإن قلت: دلالة الجمل الخبريّة في المقامات الطّلبية على الوجوب، إذا لم يثبت خلافه ممّا لا ينبغي التّوقّف فيها، بل المستفاد من كلام محقّقي علماء فنّ المعاني، أن دلالتها في تلك
المقامات على الاهتمام بالطلب و الاعتناء بالامتثال أشدّ و آكد من دلالة الأمر الصّريح عليه.
ألا ترى إلى قولهم: إنّ البلغاء يقيمونها مقام الإنشائيّة؛ ليحملوا المخاطب بوجه أكيد و نهج لطيف على الإتيان بما طلب منه، و يبعثونه على عدم التّهاون به، كقولك لصاحبك الّذي لا يحبّ تكذيبك: تأتيني غدا، بلفظ الخبر، مقام إاتني بلفظ الأمر، فتحمله بألطف وجه على الإتيان؛ لأنّه لو لم يأتك غدا صرت كاذبا بحسب الظّاهر؛ لكون كلامك في صورة الخبر.
قلت: مراد علماء المعاني أنّ البلغاء ربّما يعدلون عن صريح الأمر إلى الخبر و يقيمونه مقامه؛ لرعاية النّكتة المذكورة، و ليس سبب العدول إليه منحصرا عندهم في
[١]. كالشّيخ في المبسوط ١: ٢٧، و الصّدوق في الفقيه ١: ٤٦، و ابن حمزة في الوسيلة: ٥٥، و ابن زهرة في الغنية:
٤٩٢، و أبي الصّلاح في الكافي في الفقه: ١٣٣، و ابن البرّاج في المهذّب ١: ٤٥، و الشّهيد في الذكرى ٢: ٢٢٩ و الدروس ١: ٩٦.