الحبل المتين في إحكام أحكام الدين - الشیخ البهائي - الصفحة ٣٢٨ - الفصل السابع في التعزية، و ثواب المصاب، و اتخاذ الطعام لأهل الميت، و انتفاعه بما يهدى من البر إليه، و زيارة أصحاب القبور، و زيارتهم أهلهم
ثمّ قال: فإن قلت: فهلّا اشتهر الاستئجار على ذلك و العمل به عن النّبيّ ٦ و الأئمّة عليهم السّلام، كما اشتهر الاستئجار على الحجّ، حتّى علم من المذهب ضرورة؟
قلت: ليس كلّ واقع يجب اشتهاره، و لا كلّ مشهور يجب الجزم بصحّته، فربّ مشهور لا أصل له، و ربّ متأصّل لم يشتهر، إمّا لعدم الحاجة إليه في بعض الأحيان، أو لندرة[١] وقوعه.
و الأمر في الصّلاة كذلك، فإنّ سلف الشّيعة كانوا على ملازمة الفريضة و النّافلة، على حدّ لا يقع من أحد منهم إخلال بها، إلّا لعذر (يعتدّ به)[٢]، كمرض موت أو غيره، فإذا اتّفق فوات فريضة بادروا إلى فعلها؛ لأنّ أكثر قدمائهم على المضايقة المحضة، فلم يفتقروا إلى هذه المسألة، و اكتفوا بذكر قضاء الوليّ لّما فات الميّت من ذلك على طريقة النّدور.
و يعرف هذه الدعاوى من طالع كتب الحديث و الفقه و سيره السّلف، معرفة لا يرتاب فيها.
فخلف من بعدهم قوم تطرّق إليهم التّقصير، و استولى عليهم فتور الهمم، حتّى آل الحال إلى أنّه لا يوجد من يقوم بكمال السّنن إلّا أوحديّهم، و لا مبادر لقضاء الفائت إلّا أقلّهم، فاحتاجوا إلى استدراك ذلك بعد الموت؛ لظنّهم عجز الوليّ عن القيام به، فوجب ردّ ذلك إلى الأصول المقرّرة و القواعد الممهّدة، و فيما ذكرناه كفاية[٣] انتهى كلامه أعلى اللّه مقامه. و هو كلام جيّد متين، و اللّه أعلم بحقائق الأمور.
[١]. في الذّكرى: لندور.
[٢]. في الذّكرى: بعيد.
[٣]. الذّكرى ٢: ٧٧.