مصباح المنهاج: كتاب الصوم - الطباطبائي الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٥١٧ - (مسألة ١٣) الظاهر أن الأمور المذكورة مفسدة للاعتكاف
..........
تقدم عند الكلام في اشتراط استدامة اللبث أن ظاهر الصحيح تقوم الاعتكاف بفرض المكلف المكث في المسجد على نفسه، فهو من سنخ الإحرام المتقوم بالتعبد بالدخول في حرمة الحج أو العمرة، من دون أن يبطل بفعل محرمات الإحرام.
و مقتضى إطلاق الصحيح عدم دخل شيء آخر في قوام الاعتكاف غير الفرض المذكور. كما أن مقتضى الجمع بينه و بين صحيح أبي عبيدة و غيره مما تضمن نهي المعتكف عن الأمور المتقدمة ليس هو تقييده بها بعد اختلاف لسانه عن ألسنتها، بل الاقتصار في ماهية الاعتكاف على ما تضمنه صحيح داود، و حمل تلك النصوص على بيان ما يحرم على المعتكف تكليفا، نظير ما يحرم على المحرم من دون أن يؤخذ في مفهوم الإحرام.
و بعبارة أخرى: بعد أن اختلف لسان الصحيح عن ألسنة النصوص المذكورة فكان مفاده بيان ماهية الاعتكاف الذي يفرضه المكلف على نفسه عند نيته، و مفادها منع المعتكف عن الأمور المذكورة، فلا مجال لإرجاع مفادها لمفاده بعد تقييده بها، بل الأقرب الاقتصار في ماهية الاعتكاف على مفاده، و حملها على النهي التكليفي الذي هو مقتضى ظهورها البدوي.
و لا سيما و أن الاعتكاف و إن كان من الماهيات الشرعية، إلا أن عنوانه يناسب عرفا تقومه باللبث في المسد، أو بفرض المكلف ذلك على نفسه، و عدم تقومه بترك الأمور الأخرى التي تضمنتها تلك النصوص، و إن لم تكن مناسبة له بلحاظ كون الغرض منه ارتكازا الترهب و الانقطاع للّه تعالى بلزوم المسجد الذي هو بيته، نظير الإحرام و محرماته، و ليس هو كالصوم الذي كان عنوانه إضافيا لا يختص عرفا بمفطر خاص، فإن ذلك يناسب جدا الجمع بين النصوص بما تقدم.
و لعله لذا كان ظاهر الأصحاب المفروغية عن أن حرمة الأمور المذكورة من أحكام الاعتكاف، لا أن تركها من مقوماته، و اقتصروا في مقوماته و شروطه على ما سبق، و إن سبق منا الإشكال فيما ذكروه من تقومه بنفس اللبث، لا بفرض المكلف ذلك على نفسه.