مصباح المنهاج: كتاب الصوم - الطباطبائي الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٥١٤ - (و منها) المماراة
..........
مضافا إلى مناسبة سيرة المتشرعة و مرتكزاتهم للكراهة بلحاظ ما قد تجر إليه المماراة من الإغراق في الخصام و اللجاجة و العناد، و ما قد تستتبعه من العدوان و الشحناء، و ما قد تنشأ منه من حب الظهور و الاستعلاء. فإن ذلك كله لا يبلغ الحرمة ارتكازا إلا في حالات خاصة، كما لو ترتب ضرر مهم على ذلك، أو ابتنى على الاستعلاء على الحق استكبارا و عنادا.
و ثانيا: بأن التفريق بين الوجهين المتقدمين من المسالك لا يناسب إطلاق النصوص المذكورة. و لا سيما مع التنبيه في جملة منها على العموم للمراء من المحق.
و من ثم يتعين البناء على عموم الكراهة.
غاية الأمر أنه مع كون الغرض الاستعلاء تتأكد الكراهة بكراهة الغرض المذكور، بل قد يحرم لحرمة الغرض، و هو ما رجع إلى الاستعلاء على الحق و أهله و الغلبة له و لهم، و مع كون الغرض إظهار الحق تزاحم الكراهة برجحان الغرض المذكور. بل يظهر من النصوص المتقدمة ثبوت الكراهة حتى مع ذلك.
نعم لا بد من البناء على ارتفاعها و عدم فعليتها في بعض صور ذلك مما أحرزت فيه أهمية إظهار الحق، لتوقف كسر شوكة الباطل عليه، و دفع كيد أهله عن الحق و أهله.
و أما ما عليه سيرة أهل الاستدلال من الخصومات و المجادلات في المسائل العلمية و نحوها، فلا يبعد عدم صدق المراء و الخصومة على كثير من أفراده، إذ من القريب اختصاصها بما إذا كان الخصم لاجّا في دعواه مصرا عليها بنحو لا يرضى بالتصدي لها و إبطال حجته عليها.
و لا يشمل ما إذ كان طالبا للحقيقة مهتما بإثباتها، متطلبا الخوض فيها من غيره، ليطلع منه على ما يؤكد دعواه أو يبطلها، بحيث لا يكون همّ الطرفين إلا استعراض الحجج و استيفاء الكلام في الدعوى طلبا للحقيقة. حيث يقرب جدا رجحان ذلك من دون محذور، لعدم وضوح صدق المراء عليه. و لا أقل من خروجه عن المتيقن من النصوص، كما يظهر بالتأمل في مضامينها.
نعم كثيرا ما يلتبس الأمر على المتنازعين في ذلك، و يخرجهما الكلام عن