منتقى الجمان فى الاحاديث الصحاح و الحسان - العاملي، حسن بن زينالدين الشهيد الثاني (صاحب المعالم) - الصفحة ٣٥ - «(باب الركوع و السجود)»
المحترقة من العذرة الموقدة فوقه و عدم تميزها بينه[١] ثمّ ملاقاتها له برطوبة الجبل، و حيث أفاد الجواب طهارته بالنّار و الحال أنّ العذرة تصير رمادا بالاحراق فقد دلّ الخبر دلالة واضحة على أنّ النّار تطهّر ما يستحيل بها إلى الرماد و يبقى الكلام في إسناد الطّهارة إلى الماء أيضا و لا يمكن إرادة الحقيقة منه، فإنّ العذرة الموقدة إن خرجت عن حقيقتها و استحالت لحقت بالأجسام الطّاهرة كما يستفاد من إسناد الطّهارة إلى النّار فلا حاجة لها إلى الماء، و إن بقيت على حكمها لم يفدها الماء تطهيرا كما هو واضح فيتعيّن حينئذ حمله على المجاز، و ذلك بإرادة المعنى اللّغويّ للطّهارة بالنّسبة إليه من حيث إفادته الجصّ نوع تنظيف ربّما يزول معه النّفرة الحاصلة من اشتماله على العذرة و العظام المحرقة، و لا منافاة في ذلك لارادة المعنى الشرعي في إسناد الطّهارة إلى النّار فإنّ ضرورة مطابقة الجواب للسّؤال يقتضي حصول الطّهارة بمعناها الشّرعيّ للعذرة حينئذ و لا وجه له إلّا تأثير النّار فيها، و الجمع بين إرادتي المعنى الحقيقيّ و المجازيّ من اللّفظ الواحد جائز بطريق المجاز، كما حقّقناه في موضعه، و لو جعل من باب عموم المجاز لجاز أيضا بغير إشكال.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الظّاهر من حال كثير من الأصحاب أنّهم فهموا من هذا الحديث جواز السّجود على الجصّ، و لذلك أورده المشايخ الثلاثة في أخبار السّجود، و قال الشّهيد في الذكرى: إنّ فيه إشارة إلى ذلك.
و أرى أنّ الاشارة فيه إلى عدم الجواز أقرب إن لم يكن احتمال عدم النّظر إلى حكم السّجود فيه من السّائل أظهر.
و تحقيق هذا أنّ السّؤال صريح في أنّ المطلوب معرفة حال الجصّ باعتبار ما يختلط به من آثار العذرة المحرقة عليه و ليس في ذكر السّجود عليه منافاة لارادة ذلك المعنى وحده من السّؤال إذ هو وجه من وجوه مباشرته فيما يعتبر
[١] فى بعض النسخ« عدم تميزها عنه».