نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٣٣ - الزراعة و الغراسة
فإنهم أصحاب زرع، و أما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك النبي (صلى الله عليه و سلم).
قال الحبشي في كتاب البركة: ففي هذا فوائد منها؛ دلالته على فضل الزرع، و فيه أن المهاجرين و الأنصار كانوا مزارعين، لقول الأعرابي: إنك لن تجده إلا أنصاريا أو مهاجريا [ص ١٣] و هذا أكثر حجة و دلالة إذ المهاجرون و الأنصار هم أفضل الأمة، كانوا أهل زرع لكن قال العارف الفاسي في تشنيف المسامع: المعروف بالزراعة إنما هم الأنصار، و أما قريش فإنما لهم التجارة لا الفلاحة، إذ ليست مكة بلاد زرع.
قلت: ذلك صحيح بحسب الأصل، و إلا فالمهاجرون بعد الهجرة زرعوا، و اتجروا.
فالخبر على حاله.
و أخرج أبو داود في مراسيله عن علي بن الحسين مرسلا: أحرثوا، فإن الحرث مبارك، و أكثروا فيه من الجماجم [١] و في لفظ آخر: يا معشر قريش إنكم تحبون الماشية فأقلوا منها فإنكم بأقل الأرض مطرا، و احرثوا فإن الحرث مبارك، و أكثروا فيه من الجماجم. خرجه أبو داود أيضا و البيهقي.
و أخرج الديلمي عن أبي مسعود رفعه لما خلق اللّه المعيشة جعل اللّه البركات في الحرث و الغنم.
و في الصحيح عن أبي هريرة: و إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم قال القسطلاني في الزراعة و الغراسة.
و فيه عن ابن عمر أنه (عليه السلام) عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر و بوّب عليه البخاري باب المزارعة مع اليهود. و في الصحيح أيضا؛ و كان يعطي أزواجه مائة وسق ثمانون تمرا و عشرون شعيرا.
و قسم عمر خيبر فخيّر أزواج النبي (صلى الله عليه و سلم) أن يقطع لهن من الماء و الأرض، أو يمضي لهن، فمنهن من اختارت الأرض و منهن من اختارت الوسق، و كانت عائشة و حفصة ممن اختارت الأرض.
قال القسطلاني: و في هذا الحديث جواز الزراعة و التجارة، لتقرير النبي (صلى الله عليه و سلم) لذلك، و استمراره في عهد أبي بكر إلى أن أجلاهم عمر. و به قال ابن خزيمة و ابن المنذر. و صنف فيه ابن خزيمة جزءا بيّن فيه علل الأحاديث الواردة ا ه.
و قال الحبشي: و في هذا فوائد منها اختيار عائشة و حفصة أفضل أزواجه (عليه السلام) منهن الأرض، فيزدرعنها قال البخاري: و زارع عليّ و سعد و ابن مسعود.
[١] ذكره صاحب التيسير ص ٤٤ ج ١. و قال الجماجم هي البذور أو العظام التي تعلق على الزرع لدفع الطيور و غيرها عن الزرع.