نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٢٥ - الباب الأول من المقصد الأول
و أما الجبر و المقابلة فقد قيل: إن أوائل السور فيها عدد و أعوام و أيام لتواريخ أمم سابقة، و إن فيها تاريخ بقاء هذه الأمة، و تاريخ مدة أيام الدنيا، و ما مضى و ما بقى مضروب بعضها في بعض.
و أما النجامة ففي قوله: أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ [الأحقاف: ٤] و قد فسره ابن عباس بذلك.
و فيه أصول الصنائع التي تدعو الضرورة إليها كالخياطة في قوله: وَ طَفِقا يَخْصِفانِ [الأعراف: ٢٢] و الحدادة آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف: ٩٦] وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ:
١٠] الآية و البناء في آيات و النجارة وَ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا [هود: ٣٧] و الغزل نَقَضَتْ غَزْلَها [النحل: ٩٢] و النسج كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً [العنكبوت: ٤١] و الفلاحة أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ [الواقعة: ٦٣] الآية و الصيد في آيات و الغوص كُلَّ بَنَّاءٍ وَ غَوَّاصٍ [ص: ٣٧] وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها [فاطر: ١٢] و الصياغة وَ اتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً [الأعراف: ١٤٨] و الزجاجة صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ [النمل: ٤٤] الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ [النور: ٣٥] و الفخارة فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ [القصص: ٣٨] و الملاحة أما السفينة الآية و الكتاب علّم بالقلم و الخبز أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً [يوسف: ٣٦] و الطبخ بعجل حنيذ و الغسل و القصارة وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر: ٤] قال الحواريون و هم القصارون [و الجزارة] إلا ما ذكيتم [و البيع و الشراء] في آيات [و الصبغ] صِبْغَةَ اللَّهِ جُدَدٌ بِيضٌ وَ حُمْرٌ [و الحجارة] وَ تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً [الأعراف: ٧٤] [و الكيالة و الوزن] في آيات [و الرمي] وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] و فيه من أسماء الأثاث و ضروب المأكولات و المشروبات و المنكوحات، و جميع ما وقع أو يقع في الكائنات، ما يحقق معنى قوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨] ا ه. كلام المرسي ملخصا.
و قال ابن سراقة: من بعض وجوه اعجاز القرآن، ما ذكره اللّه فيه من أعداد الحساب، و الجمع و القسمة و الضرب، و الموافقة و التأليف و المناسبة، و التنصيف و المضاعفة، ليعلم بذلك أهل العلم بالحساب، أنه (صلى الله عليه و سلم) صادق، و أن القرآن ليس من عنده، إذ لم يكن ممن خالط الفلاسفة، و أهل الهندسة و لا تلقى الحساب.
و قال الراغب: إن اللّه لما جعل نبوة النبيين بنبينا (عليه السلام) مختتمة، و شرائعهم منتسخة بشريعته من وجه، و من وجه مكملة متممة؛ جعل كتابه المنزل عليه متضمنا لثمرة كتبه التي أولاها أولئك. كما نبه بقوله: يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً، فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة: ٤] و جعل من معجزات هذا الكتاب، أنه مع قلة الحجم يتضمن المعنى الجم، بحيث تقصر الألباب و البشرية عن احصائه، و الآلات الدنيوية عن استيفائه، كما نبه عليه بقوله: وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ، وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [لقمان: ٢٧] فهو و إن كان لا يخلو الناظر فيه من نور ما يريه و نفح ما يوليه: