نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٥٤ - الدكة لجلوسه
و كان محيطها مبنيا باللبن، و قواطعها الداخلة من الحديد المكسو بالطين و المسوح الصوفية، و جعل لها أبواب منافذ متقنة الهواء، داعية إلى السهولة في الدخول و الخروج و خفة الحركة، مع وفر الزمن و السرعة إلى المقصد و ان منزل السيدة عائشة صفة إلى منزل السيدة فاطمة، و كان به فتحة إلى القبلة. يؤيد ذلك قول ابن زبالة: كان بين بيت حفصة و منزل عائشة طريق، و كانتا تتهاديان الكلام، و هما في منزلهما من قرب ما بينهما، و كان بيت حفصة على يمين خوخة آل عمر، في جنوب بيت عائشة إلى الشرق، و كان من دونهما منازل بقية الأزواج الطاهرات. و كان بمنزل فاطمة شباك يطل على منزل أبيها و كان (صلى الله عليه و سلم) يستطلع أمرها منه.
«قال السهيلي في الروض: إن بيوت النبي (صلى الله عليه و سلم) كانت تسعة بعضها من جريد مطين بالطين، و سقفها جريد و بعضها من حجارة موضوعة بعضها على بعض مسقفة بالجريد أيضا، و كان لكل بيت حجرة و هي أكسية من شعر مربوطة بخشب العرعر ا ه».
أقول: إذا علمت أنها تسعة و أن كل بيت لا بد له من محل لقضاء الحاجة، و محل لمئونة السنة و الطبخ و محل للقاء الناس، و محل لمبيت النبي (صلى الله عليه و سلم) مع زوجته الطاهرة، و إن زدتها محل خزائن السلاح و أدوات النقل، و محل الدواب و الخيل و النعم و الحمير، و غير ذلك من الممتلكات النبوية، و ممتلكات بيت المال مع دار الضيوف، و السجن و محل المرضى، و محل أهل الصفة و غير ذلك من الضروريات ظهر لك عظم تلك المباني، وسعة تلك المرافق، و هذه الضروريات التي الاتساع في البناء ضروري لها يجهلها أكثر الناس اليوم. و يظنون أن مساكن النبي (صلى الله عليه و سلم) كانت في نهاية الضيق و القلة. و لعمري إذا أمكنه (صلى الله عليه و سلم) ذلك في المبادي، فكيف لا يتسع أكثر من ذلك في آخر امره و لو عاش في المدينة بعد الهجرة أكثر من عشر سنوات؟ و كان يشتغل فيها بغير الحروب و توجيه البعوث و إرسال السرايا إلى الجهات فانظر ما ذا كان يصنع.
الدكة لجلوسه (عليه السلام)
«ذكر أبو محمد ابن حيّان في أخلاق النبي (صلى الله عليه و سلم) عن أبي هريرة و أبي ذر: كان (صلى الله عليه و سلم) يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل، فطلبنا منه أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانا من طين يجلس عليه و نجلس بجانبيه» [١].
الحديث بذلك في صحيح مسلم في كتاب الإيمان في قصة مجيء جبريل، فاقتصار الخزاعي في العزو لمن ذكر ذهول و غفلة، و كان محل هذه الدكة هو الذي يعرف الآن في
[١] عثرت على هذا الحديث في سنن أبي داود ج ٥ ص ٧٤ و رقمه ٤٦٩٨ و ألفاظه قريبة جدا من النص أعلاه.