نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٧٢ - باب هل كانوا يدونون في صدر الإسلام شيئا أو جمع للصحابة شيء في أبواب العلم أو نسب للصحابة و اتباعهم التدوين و التصنيف؟
و في العتبية قال مالك: كان عمر قد أراد أن يكتب الأحاديث و كتب منها ثم قال: لا كتاب مع كتاب اللّه. قال ابن رشد في البيان و التحصيل: المعنى في هذا أن عمر كان أراد أن يكتب الأحاديث المأثورة عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ليجعلها أصلا يحمل الناس عليها، كما يفعل بالقرآن فتوقف عن ذلك، إذ لا يقطع على صحة نقل الأحاديث عن النبي (صلى الله عليه و سلم) كما يقطع على صحة نقل القرآن الذي قد نقل بالتواتر، فرأى أن يكل أمر الأحاديث إلى الاجتهاد و النظر في صحتها، و وجوب العمل بها. و أما أن يكتب الرجل الحديث قد رواه ليتذكره و لا ينساه فلا كراهية في ذلك، و قد حدث رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بحديث فجاء رجل من أهل اليمن فقال: أكتب لي يا رسول اللّه فقال: أكتبوا لأبي فلان. و قال أبو هريرة: ما من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أكثر حديثا مني، إلا ما كان من عبد اللّه بن عمرو فإنه كان يكتب و لا أكتب. و لو لا أن العلماء قيدوا الحديث، و دوّنوه و ضبطوه و ميزوا الصحيح منه من السقيم لدرس العلم، و عمي أثر الدين فاللّه يجازيهم عن اجتهادهم في ذلك بافضل الجزاء ا ه منه و هو حسن.
باب هل كانوا يدونون في صدر الإسلام شيئا أو جمع للصحابة شيء في أبواب العلم أو نسب للصحابة و اتباعهم التدوين و التصنيف؟
قال الهروي في ذم الكلام: لم تكن الصحابة و لا التابعون يكتبون الأحاديث، إنما كانوا يدونونها حفظا و يأخذونها لفظا إلا كتاب الصدقات و الشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء ا ه بنقل صاحب الحطة ص ٢٧.
و قال الإمام النووي في تهذيب الأسماء و اللغات: الصحابة كانت همتهم مصروفة إلى الجهاد، و إلى مجاهدة النفوس و العبادة، فلم يتفرغوا للتصنيف، و كذلك التابعون لم يصنفوا ا ه منه.
و قال الإمام أبو علي اليوسي في قانونه: لما تكلم على أصول طرق نشر العلم، و أنها مأثورة قديمة قال: و أما التأليف فأصله ما كان (صلى الله عليه و سلم) يفعله من كتب الوحي إذا نزل، و كتب الرسائل إلى الملوك و غيرهم، و كتاب الصدقات و قد جمع فيه مسائل، فهو علم مدون.
و ذلك هو التأليف. و لئن كان (صلى الله عليه و سلم) لا يكتب بيده لما أغناه اللّه عن ذلك، لقد كان يأمر بالكتب. و المقصود: إنما هو وضع العلم و تدوينه و تخليده، سواء كتب العالم بيده أم لا و كم من عالم يملي و لا يكتب، و يكون ذلك تأليفا ا ه منه، و هو جيد.
و في سمط الجوهر الفاخر: كتب (صلى الله عليه و سلم) بيده كتبا لأهل الإسلام في الشرائع و الأحكام، منها كتابه (صلى الله عليه و سلم) في الصدقات، كان عند أبي بكر، و كتابه (صلى الله عليه و سلم) في نصاب الزكاة و غيرها الذي كان عند عمر، و كتابه (صلى الله عليه و سلم) إلى أهل اليمن في أنواع من الفقه و أبواب مختلفة، هو كتاب جليل و احتج الفقهاء كلهم بما فيه من مقادير الديات ا ه.