نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢٠٨ - باب في رواج علم الفرائض في الزمن النبوي و حضه
الفرائض بالنسبة إلى مسائل الفقه لا تفي بعشرها؛ فضلا عن مسائل غير الفقه من سائر العلوم الشرعية.
و أجيب عن الأولين بوجهين: أحدهما: أن قوله (عليه السلام): حسن السؤال نصف العلم، جاء باعتبار السائل و المسئول، و هذا الحديث باعتبار الفرائض مع غيرها، فلم يتواردا على محل واحد الوجه الثاني: إن هذا مجاز على جهة التشريف و المبالغة في الحث عليها، كقوله (عليه السلام): الحج عرفة، و قوله: الهم نصف الهرم، و التدبير نصف العيش، و القود نصف العقل، تنبيها على عظم هذه الأشياء، و موقعها مما نسبت إليه. قال القرافي: و قد أورد هذا السؤال على فرضي قليل التصرف، فلم يجد ما يجاوب به. و أجيب عن الثاني بوجهين:
أحدهما إن علم الفرائض لما كان عظيم المنفعة، تمس الحاجة إليه أكثر مما تمس إلى غيره، و إن كان صغير الجرم فهو يساوي ما عداه، مما هو أكثر مسائل. و هذا من المحسوسات كثير. و ثانيها: أن ما أمر به الإنسان شيئان؛ شيء في الحياة و شيء بعد الممات. فهو نصف بهذا الاعتبار، و أورد عليه أن الذي يتوجه عليه الخطاب بعد الموت ليس الفرائض وحدها، بل مع الوصايا النظرية و المالية و مسائل الجنازة، و أجيب بأنا نلتزم بأنها من حق الفرض أن يتكلم فيها، و إنها من جملة الفرائض، أو يقال: الوصية ليست مما يتوجه [يتوجب] بعد الموت. و إنما يتوجه بعد الموت انفاذها. و أما إنشاؤها فقبل الموت، و أيضا فليست بلازمة في كل حال؛ بخلاف الميراث. و ما في كتاب الجنائز إنما يتعلق بالأحياء و ردّ بأن تعلّم الفرائض إنما يتوجه إلى الحيّ و ما يفعل بالميت و ماله، إنما يخاطب به الحق. و هذا كله تكلف، و الأولى أن يقال: هذا على وجه المبالغة؛ كالحج عرفة، و نظائره.
و قال بعض المتأخرين: و أظنه لم ير كلام القرافي: يحتج الأكثر من أهل هذا الفن على فضله بالحديث عن أبي هريرة، بناء على أن الفرائض فرض الوارث، و الذي يظهر أن هذا الحمل بعيد. و أن المراد إنما هو الفروض التكليفية في العبادات و العادات و غيرهما، و بهذا المعنى تصح النصفية و الثلثية، ثم الاعتراض الثاني، ثم قال: و يتعين المراد أن حمله على هذا الفن المخصوص، و تخصيصه بفروض الوراثة إنما هو اصطلاح ناشئ عند حدوث الفنون و الاصطلاحات، و لم يكن صدر الإسلام يطلق إلا على كونه مشتقا من الفرض، الذي هو لغة التقدير. أو القطع. و ما كان المراد إلا جميع الفروض كما قلناه، و هي حقيقته الشرعية، فلا ينبغي أن يحمل إلا على ما كان يحمل عليه في عصرهم. فهو الأليق بمرادهم. هذا نص كلامه. و ظاهره أن أهل الفرائض بل بعضهم اختصوا بجلب هذا الحديث، و ليس كما قاله بل جلبه ابن ماجه، و كثير من المحدثين و الفقهاء و المفسرين و الموثقين، و كلهم جلبوه في مقدمة كتاب الفرائض بلفظه أو معناه، و أتوا بعد ذلك بآثار عن الصحابة و التابعين، تدل على هذا. و فيها لفظ الفرائض، و كلهم أطلقها على فرض الوراثة و هم أعلم منه بالإطلاق اللغوي و الشرعي ا ه كلام أبي يوسف السيتاني.