نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٩ - باب أمر عمر بالسعي و حضه الناس على التكسب
قلت: صدقت فراسة عمر في هذه الأمة، فإنها لما تركت التجارة بطرقها المشروعة المرغوبة، و أساليبها الناجحة تلقفها الغير فأصبحت الأمة عالة على غيرها، رجالنا على رجالهم، و نساؤنا على نسائهم في كل شيء. من الإبرة و الخيط إلى أرفع شيء و أثمنه. و ما ذكره ابن الحاج عن بعض السلف و لم يسمه هو سفيان. فقد أخرج الخطيب عن محمد بن عبد الوهاب البسكري قال: كان سفيان إذا رأى هؤلاء النبط يكتبون الحديث بغير وجهه يشتد عليه، فقلت له: يا أبا عبد اللّه نراك إذا رأيت هؤلاء يكتبون العلم يشتد عليك. قال:
كان العلم في العرب و سادة الناس، فإذا خرج من هؤلاء و صار في هؤلاء يعني النبط و السفل غيّروا الدين.
و أخرج أيضا عن سفيان بن حسين قال: قدم على الأعمش بعض السواد فاجتمعوا إليه فأبى أن يحدثهم، فقيل له: يا أبا محمد لو حدثتهم؟ فقال: من يعلق الدرر على الخنازير. قال السيد السمهودي في جواهر العقدين: فيه الإشارة إلى أن الحكمة لا توضع في غير أهلها.
باب ايثار الصحابة التكبير في الخروج للتجارة
بوّب الترمذي [١] في جامعة باب: ما جاء في التبكير بالتجارة. حدثنا يعقوب ابن إبراهيم الدورقي، حدثنا هشيم حدثنا يعلى بن عطاء عن عمارة بن حديد عن صخر الغامدي قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): اللهم بارك لأمتي في بكورها، قال: و كان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم أول النهار. و كان صخر رجلا تاجرا، و كان إذا بعث تجاره بعثهم أول النهار، فأثرى و كثر ماله. و في الباب عن علي و بريدة و ابن مسعود و أنس و ابن عمر و ابن عباس و جابر.
و حديث صخر الغامدي حديث حسن و لا نعرف لصخر الغامدي غير هذا الحديث ا ه.
قلت: «حديث اللّهم بارك لأمتي في بكورها» [٢] خرجه أصحاب السنن و صححه ابن حبان من حديث صخر و قد اعتنى الحافظ المنذري بجمع طرقه فبلغ عدد من جاء عنه من الصحابة نحو العشرين نفسا. و انظر باب الخروج بعد الظهر من فتح الباري في كتاب الجهاد.
باب أمر عمر بالسعي و حضه الناس على التكسب
سيأتي قوله لاهل اليمن: إنما التوكل رجل ألقى حبه في الأرض و توكل على اللّه، و في كتاب مناقب عمر لابن الجوزي؛ عن محمد بن سيرين عن ابيه قال: شهدت مع عمر بن الخطاب المغرب فأتى علي و معه رزيمة (تصغير رزمة و هي الكارة من الثياب) فقال ما هذا معك فقلت رزيمة أقوم في هذا السوق، فاشترى و أبيع فقال: يا معشر قريش لا
[١] انظر كتاب البيوع باب ٦ ج ٣ ص ٥١٧ من سنن الترمذي.
[٢] رواه أبو داود في كتاب الجهاد ٣/ ٨٠ و رقمه ٢٦٠٦.